لمتابعة أهم الأخبار أولاً بأول تابعوا قناتنا على تيليجرام ( فجر نيوز )

انضم الآن

منظمة البيدر الحقوقية: الاحتلال يُهجّر 214 أسرة بدوية منذ بداية العام قسريا في المنطقة (ج)



تصنف المنطقة (ج) من الضفة الغربية بوصفها إحدى أكثر الجغرافيات الفلسطينية هشاشة وتعقيدا من الناحية السياسية والقانونية، إذ تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة على الأرض والموارد والتخطيط، ما جعلها مسرحا مفتوحا لسلسلة طويلة من الانتهاكات التي تستهدف الوجود الفلسطيني في عمقه الإنساني والاقتصادي،وفي قلب هذه المنطقة، تقف التجمعات البدوية والزراعية في الأغوار بوصفها الحلقة الأضعف، حيث تتقاطع عوامل العزلة الجغرافية، وغياب الحماية القانونية الفاعلة، مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين. هذه الاعتداءات، التي تجري في كثير من الأحيان تحت نظر السلطات الإسرائيلية أو بحمايتها المباشرة، لا تبدو كحوادث عابرة بقدر ما تعكس سياسة ميدانية تضيق الخناق على السكان وتضع مستقبلهم على المحك.

المعطيات التي وثقتها منظمة البيدر الحقوقية تكشف عن نمط منظم من الهجمات المتكررة التي تطال التجمعات البدوية والزراعية في الأغوار، حيث تتنوع بين الاعتداءات الجسدية المباشرة، وتخريب الممتلكات، ومصادرة مصادر العيش. هذه الوقائع لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع من الإجراءات التي تعمق الهشاشة الاقتصادية وتدفع بالمجتمعات المحلية نحو حافة الانهيار، فالخسائر التي تلحق بالمواشي، والمساكن، والبنية الزراعية، لا تقتصر على أضرار مادية آنية، بل تمتد آثارها إلى تفكيك أنماط الحياة التقليدية التي تقوم عليها هذه التجمعات منذ قرون.

التجمعات الفلسطينية المستهدفة منذ مطلع ٢٠٢٦

تشير توثيقات “البيدر” منذ بداية عام 2026، إلى اتساع رقعة الاعتداءات الاسرائيلية لتشمل طيفا واسعا من التجمعات البدوية في الأغوار، في مشهد يكشف عن امتداد جغرافي وزمني متواصل لهذه الهجمات، بما يعكس طبيعة الضغوط المركبة التي تتعرض لها هذه المجتمعات، ووفق البيانات التي وثقتها منظمة البيدر فقد بلغ عدد الأسر المتضررة 214 أسرة كانت تعيش في ثمانية تجمعات سكانية، وهو رقم يحمل في طياته مؤشرات خطيرة على حجم الاستهداف الذي لم يعد يقتصر على بؤر محدودة، بل طال شبكة كاملة من التجمعات المترابطة اجتماعيا واقتصاديا.

وفي مقدمة هذه التجمعات يأتي شلال العوجا الذي يضم وحده 120 أسرة، وهو ما يجعله الأكثر تضررا من حيث الكثافة السكانية وحجم الخسائر المحتملة، هذا الثقل الديموغرافي يعني أن أي اعتداء في هذا التجمع لا ينعكس على عدد كبير من العائلات فحسب، بل يهدد أيضا بنية اقتصادية قائمة على الرعي والزراعة، ويضع مئات الأفراد أمام خطر فقدان مصادر عيشهم، وإلى جانبه، تقف تجمعات أصغر حجما مثل تل الصمادي (10 أسر) ووادي أبو الحيات (6 أسر)، حيث تتضاعف هشاشة هذه المجتمعات الصغيرة نتيجة محدودية مواردها وقدرتها على الصمود أمام الضغوط المتصاعدة.

أما التجمعات الأخرى مثل البرج (15 أسرة)، والحمة (20 أسرة)، والميته (20 أسرة)، وأبو همام (12 أسرة)، والخلايل (11 أسرة)، فتشكل بدورها حلقات أساسية في النسيج البدوي، وتظهر هذه الأرقام، عند قراءتها مجتمعة، أن الاستهداف لم يعد انتقائيا أو معزولا، بل يطال مختلف التجمعات بمستويات متفاوتة، بما يخلق حالة عامة من القلق وعدم اليقين، وبهذا، تتحول الخريطة الديموغرافية لهذه المناطق إلى ساحة ضغط مستمر، حيث تتوزع الاعتداءات بطريقة تبقي جميع التجمعات تحت تهديد دائم، ما يعزز الشعور بأن أي موقع قد يكون الهدف التالي في سلسلة الاعتداءات المتواصلة.

تكشف التقارير الحقوقية الميدانية التي وثقتها منظمة البيدر عن صورة مركبة من الانتهاكات التي تتعرض لها التجمعات البدوية في الأغوار، حيث تتقاطع الممارسات العنيفة مع أدوات الضغط الاقتصادية والاجتماعية في سياق يبدو ممنهجا أكثر منه عفويا، فهذه الانتهاكات لا تمارس على شكل حوادث متفرقة، بل تتخذ طابعا تراكميا يراكم الخسائر ويعمق الشعور بالتهديد الدائم لدى السكان، في ظل غياب أي حماية فعالة تردع المعتدين أو تضمن الحد الأدنى من الأمن والاستقرار.

في مقدمة هذه الانتهاكات تبرز الاعتداءات الجسدية والتهديدات المباشرة التي يتعرض لها السكان، وهي ممارسات تهدف في جوهرها إلى بث الخوف وكسر إرادة البقاء، وتشير الشهادات الميدانية إلى أن هذه الاعتداءات غالبا ما تحدث في أوقات الرعي أو قرب المساكن، بما يجعلها جزءا من الحياة اليومية للسكان، ويحول الفضاء الذي يفترض أن يكون آمنا إلى مصدر قلق دائم، ومع تكرار هذه الاعتداءات، يتكرس شعور عميق بانعدام الأمان، يدفع الكثيرين إلى إعادة التفكير في جدوى الاستمرار في العيش تحت هذا التهديد المستمر.

ولا تقتصر الانتهاكات على الأفراد، بل تمتد لتطال الممتلكات الخاصة ومصادر الرزق التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد البدوي، إذ توثق التقارير عمليات تخريب للحظائر، وإتلاف لمعدات زراعية، والاعتداء على المواشي، وهي خسائر لا يمكن تعويضها بسهولة في بيئة تعاني أصلا من شح الموارد، هذه الممارسات تضرب مباشرة قدرة العائلات على الصمود، وتضعها أمام تحديات اقتصادية قاسية قد تدفعها إلى التخلي عن نمط حياتها التقليدي.

وأكد المحامي حسن مليحات – المشرف العام لمنظمة البيدر الحقوقية، أن من بين الأدوات الأكثر تأثيرا في تقويض استقرار هذه التجمعات، تأتي القيود المفروضة على حرية الحركة والوصول إلى المراعي ومصادر المياه، مشيرا إلى أن التضييق على المساحات المتاحة للرعي أو منع الوصول إلى ينابيع المياه يهدد بشكل مباشر سبل العيش الأساسية للسكان، ويقوض قدرة العائلات على الاستمرار في تربية المواشي أو الزراعة، ومع مرور الوقت، يتحول هذا التضييق إلى عامل ضغط بنيوي يضعف مقومات البقاء ويجعل الاستمرار في المكان أكثر صعوبة.

التداعيات الاقتصادية والإنسانية والسياسية

تتجاوز التداعيات الناجمة عن سياسات التهجير والتضييق في الأغوار البعد الإنساني المباشر، لتطال بنية المجتمع الفلسطيني في عمقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فعلى المستوى الإنساني، تتعرض التجمعات البدوية لتفكك تدريجي في بنيتها القائمة على التماسك العائلي ونمط العيش الجماعي، حيث تؤدي الضغوط المستمرة والاعتداءات المتكررة إلى تفكيك الروابط التقليدية التي حافظت على استمرارية هذه المجتمعات لعقود طويلة، ومع تزايد الشعور بانعدام الأمان، تضطر عائلات بأكملها إلى النزوح الداخلي، تاركة خلفها نمط حياة متوارثًا، لتدخل في دوامة من عدم الاستقرار الاجتماعي وفقدان الهوية المكانية.

اقتصاديا، تتجلى آثار هذه السياسات في تآكل مصادر الدخل الأساسية التي تعتمد عليها هذه التجمعات، مثل الرعي والزراعة، نتيجة القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والمياه، وتخريب الممتلكات، واستهداف الثروة الحيوانية، ويؤدي هذا الواقع إلى تفاقم معدلات الفقر والبطالة، ويضعف قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، بما في ذلك الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، ومع اتساع رقعة النزوح الداخلي، تتزايد الضغوط على المناطق الفلسطينية الأخرى، التي تعاني أصلا من محدودية الموارد وفرص العمل، ما يعمق الأزمة الاقتصادية على مستوى أوسع.

أما على المستوى السياسي، فإن خطورة هذه السياسات تكمن في انعكاساتها بعيدة المدى على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها، فاستهداف التجمعات البدوية في المنطقة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، لا يقتصر على إضعاف الوجود الفلسطيني في هذه المناطق، بل يسهم فعليا في إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية بطريقة تقوض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للحياة، ومع التوسع الاستيطاني المتوازي مع تهجير السكان الأصليين، يتآكل الأساس الإقليمي الذي يقوم عليه حل الدولتين، ليصبح هذا الحل أكثر بعدا عن الواقع مع مرور الوقت.

وبهذا المعنى، فإن ما يجري في الأغوار لا يمكن فصله عن مشروع سياسي أوسع يسعى إلى فرض وقائع دائمة على الأرض، من خلال إفراغ المناطق الحيوية من سكانها الفلسطينيين وربطها بالبنية الاستيطانية الإسرائيلية. هذا المسار لا يهدد فقط الحقوق الفردية والجماعية للفلسطينيين، بل يضرب في الصميم الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق تسوية سياسية عادلة، ويقوض فرص السلام والاستقرار في المنطقة، وفي ظل غياب تدخل دولي فاعل يوقف هذه السياسات ويحاسب المسؤولين عنها، يبقى خطر القضاء على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة قائما، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي ومستقبل النظام الدولي القائم على احترام القانون وحقوق الشعوب.

تضع الوقائع الميدانية في الأغوار، ولا سيما في المنطقة المصنفة (ج)، المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بقواعد القانون الدولي الإنساني، فعمليات التهجير القسري والتضييق المنهجي على التجمعات البدوية لا يمكن قراءتها إلا بوصفها خرقا صريحا لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال وتلزم القوة القائمة بالاحتلال بحمايتهم وضمان أمنهم وحقوقهم الأساسية، إن ما يجري على الأرض يتجاوز حدود الانتهاكات الفردية ليشكل نمطا متكررا من السياسات التي تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي، وهو ما يندرج في الإطار القانوني الدولي ضمن ممارسات التطهير العرقي التي تجرمها الاتفاقيات والأعراف الدولية.

وعلى المستوى السياسي، فإن استمرار هذه السياسات يضرب في العمق أي إمكانية لتحقيق تسوية عادلة ودائمة للصراع، فإفراغ مناطق واسعة من سكانها الفلسطينيين، وخاصة في الأغوار التي تعد من أهم المناطق الاستراتيجية والجغرافية في الضفة الغربية، يقوض الأساس الجغرافي لقيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، ويحول فكرة حل الدولتين إلى تصور نظري يفتقر إلى المقومات العملية على الأرض، ومع تسارع وتيرة هذه الإجراءات، تتقلص المساحة المتاحة لأي مشروع سياسي قائم على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ما يفتح الباب أمام مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.

ختاما، تبقى معاناة التجمعات البدوية في الأغوار مرآة تعكس حجم التحديات التي يواجهها الفلسطينيون في تمسكهم بأرضهم وحقهم في البقاء والعيش بكرامة، هذه المعاناة اليومية ليست مجرد قصة إنسانية عابرة، بل هي جزء من معركة أوسع على الوجود والحقوق والعدالة، وهو ما يستدعي تحركا حقوقيا وسياسيا عاجلا، يضع حدا لهذه الانتهاكات، ويعيد الاعتبار لمبادئ العدالة الدولية، ويضمن للسكان المدنيين حقهم الأصيل في الحياة الآمنة والكرامة الإنسانية.

الرابط المختصر:

مقالات ذات صلة