Site icon تلفزيون الفجر

أيام أم أسابيع؟.. متى تنتهي حرب إيران ومن يملك زرّ الإطفاء؟

قدّمت الصحف الإسرائيلية الرئيسية -هآرتس وجيروزاليم بوست ويديعوت أحرونوت- قراءات متباينة في الأسلوب، لكنها متفقة في الجوهر، حول طبيعة الإستراتيجية الإيرانية، وحدود القوة الإسرائيلية الأمريكية، ومستقبل الحرب، ومن يملك فعليا قرار وقفها.

وفي هذا التقرير، نسعى إلى تلخيص هذه التحليلات في نص إخباري واحد، جامع، يركّز على الأفكار الأساسية، والاقتباسات الدالة، والاستنتاجات الكبرى، ومن دون الانسياق وراء التفاصيل الوصفية أو المشاهد الميدانية التي لا تغيّر كثيرا من فهم الصورة الإستراتيجية العامة.

صواريخ “بالتقسيط” وحدود الاستنزاف
في مقالين تحليليين، تناولت صحيفة هآرتس اليسارية هذه المواجهة العسكرية، وفي التحليل الأول، انطلق الكاتب هاغاي أميت من سؤال مركزي اختار أن يكون عنوانا للمقال وهو: إلى متى تستطيع إيران الاستمرار في إطلاق الصواريخ على إسرائيل؟

وفي معرض الإجابة عن السؤال، نقل الكاتب عن خبراء عسكريين إسرائيليين توقعاتهم أن تستمر الحرب لأيام فقط وليس لأسابيع أو أشهر.

وتكمن الفكرة في جوهرها -بحسب ما خلص إليه المقال- في أن طهران اعتمدت منذ اللحظة الأولى إستراتيجية محسوبة تقوم على ترشيد إطلاق الصواريخ بدل الإغراق الكثيف، بهدف إطالة أمد التأثير النفسي والاقتصادي في الجبهة الداخلية الإسرائيلية من دون استنزاف مخزونها بسرعة.

واستشهدت الصحيفة بتقديرات العميد المتقاعد بيني يونغمان، القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي والرئيس الحالي لمجموعة “تي إس جي غروب”، (TSG Group)، وهي شركة أوروبية رائدة في مجال توفير الخدمات الفنية والبنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية.
وفي المقابلة التي أجراها معه الصحفي هاغاي أميت، يرى يونغمان أن طهران تتبع إستراتيجية ذكية تقوم على “تقنين” مخزونها الصاروخي.

هذه السياسة -كما يقول يونغمان- تهدف إلى الحفاظ على وتيرة إطلاق تمنع الاقتصاد الإسرائيلي من العودة للعمل، دون استنزاف ترسانتها بسرعة أمام الهجمات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة.

ويكشف يونغمان أن الحسابات العسكرية تشير إلى أن إيران أطلقت حوالي 250 صاروخا منذ بداية الحرب، شملت أهدافا في إسرائيل ودول الخليج والقواعد الأمريكية.

وبناءً على تقديراته، فإن المخزون الإيراني الذي كان يربو على ألف صاروخ (أو ربما ضعف ذلك قبل اندلاع المواجهة) قد تآكل جزء منه بفعل الضربات الجوية، مما يعني أن طهران تمتلك القدرة على مواصلة هذا النسق “لأيام فقط، وليس لأسابيع أو أشهر”.

لكن يونغمان يحذر من خطر “الشظايا”؛ حيث إن اعتراض صاروخ باليستي على ارتفاعات شاهقة ينتج آلاف الشظايا الصغيرة التي تستغرق وقتا طويلا للسقوط بسبب الاحتكاك بالهواء، مما يطيل فترة البقاء في الملاجئ ويجعل حتى القطع الصغيرة التي لا يتجاوز وزنها غرامين قاتلة بسبب سرعة ارتطامها بالأرض.

قطع رأس الهرم.. الصدمة التي هزت طهران
لعل التحليل الأكثر عمقا وخطورة هو ما ورد في المقال الثاني في هآرتس للمحلل العسكري الإسرائيلي عاموس هاريل، حول النجاح العملياتي في تصفية القيادة الإيرانية.

أكد هاريل أن الضربة الافتتاحية للهجوم الإسرائيلي الأمريكي لم تكن مجرد تدمير لمنصات الصواريخ الإيرانية، بل كانت عملية استئصال سياسي وعسكري “ناجحة” أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، ووزير الدفاع، وقائد الحرس الثوري، ورئيس الأركان.

ويرى هاريل أن هذا الاختراق لم يكن ليحدث لولا “الغطرسة أو الغباء” الإيراني؛ حيث أصرت القيادة “المُسِنّة” على الاجتماع جسديا في مواقع حساسة رغم نذر الحرب، وهي نفس الثغرة التي استُغلت سابقا لتصفية حسن نصر الله وقيادات حزب الله عام 2024.

مع ذلك، لا يزال من الصعب -وفق المقال- التنبؤ بما إذا كان هذا النجاح سيترجم إلى نهاية سريعة للحرب وإلى اتفاق يحظى بقبول كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويقول ضباط في الجيش الإسرائيلي، نقلت عنهم هآرتس، إن الحرب قد تستمر أسابيع على الأقل، وإن نهايتها لا تلوح في الأفق بعد.

وكان النظام الإيراني قد استعد لاحتمال اندلاع حرب منذ وقت طويل، إذ أعدّ المرشد الأعلى علي خامنئي بنفسه خطة لنقل السلطة إلى خلفائه في حال مقتله. وفي الوقت الراهن، لا يُظهر الإيرانيون أي مؤشرات على أنهم يعتزمون القبول باستسلام سريع.

وأشار هاريل إلى أن غياب خامنئي، “الذي حكم إيران بيد من حديد” لأكثر من 35 عاما وكان يتبنى “خطة إبادة” ضد إسرائيل، يُعدّ خبرا سارا لتل أبيب، لكنه يحمل في طياته مخاطر مجهولة. فخلفاء خامنئي المحتملون، وعلى رأسهم “المتطرفون” في الحرس الثوري الذين لا يكترثون بالمسائل الفقهية بقدر اهتمامهم بالقتال، قد يتجاهلون فتوى المرشد التي تحرم السلاح النووي، ويسعون لامتلاك القنبلة الذرية باعتبارها ضمانة وحيدة لبقائهم.

ويتولى رئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، حاليا زمام الأمور مؤقتا، لكن الصراع الحقيقي على السلطة يدور في كواليس الحرس الثوري الذي يعزز انتشاره في الشوارع لمنع أي انتفاضة شعبية قد تندلع احتفالا بوفاة “الطاغية “، وفقا للصحيفة.

شلل في إسرائيل
من جانبها، رسمت صحيفة جيروزاليم بوست في تحليلها الميداني الذي أعده محلل شؤون الشرق الأوسط الأمنية، سيث فرانتزمان، صورة حية لما آلت إليه الأوضاع في الداخل الإسرائيلي.

ويصف فرانتزمان مشهد الطريق السريع رقم (1) الواصل بين القدس وتل أبيب، والذي كان يضج عادة بالزحام، بأنه أصبح “مضمارا للسرعة” لخلوه تماما من المارة.

هذا الشلل لم يكن -في رأي الكاتب- وليد المصادفة، بل هو نتاج مباشر لنجاح إيران في فرض حالة من الرعب المستمر؛ فبالرغم من أن عدد الصواريخ التي سقطت قد لا يبدو ضخما بمعايير الحروب الشاملة، فإن شظايا الصواريخ المستمرة منذ صباح السبت أجبر ملايين السكان على المكوث في الغرف المحصنة.

وفي تل أبيب، يصف فرانتزمان مشهد الدمار في حي سكني بمركز المدينة، حيث تضررت أكثر من 40 بناية إثر سقوط صاروخ باليستي ليلا.

ورغم محاولات الطواقم الهندسية إزالة الركام، فإن مشهد النوافذ المحطمة والواجهات المنهارة صار جزءا من المشهد اليومي.

وفي مدينة بيت شيمش، كان وقع الحدث أشد وطأة؛ حيث أدى سقوط صاروخ في منطقة سكنية إلى مقتل 9 أشخاص، ليرسم مشهد السيارات المحترقة والمباني المتفحمة لوحة تُذَكِّر الإسرائيليين بأهوال هجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على جنوب دولة الاحتلال في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ويشير المحلل الأمني في مقاله إلى مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي كان فيه الأطفال في بعض الأحياء المتدينة يرتدون ملابس عيد “المساخر” المعروف لدى اليهود باسم (بوريم)، كانت فرق الإنقاذ تنتشل الجثث من تحت الأنقاض على بعد أمتار قليلة، مما يعكس حالة الانفصام التي يعيشها المجتمع بين محاولة الحفاظ على الروتين وبين قسوة الحرب.

التكتيك الإيراني: استنزاف أم تصدع؟
وفي مقاله بموقع “واي نت” التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، يطرح المحلل السياسي إليشع بن كيمون تساؤلا جوهريا حول طبيعة الرد الإيراني الحالي.

فبالرغم من أن صفارات الإنذار دوّت لأكثر من ساعة في مساحات واسعة من إسرائيل، فإن عدد الصواريخ الفعلية كان محدودا نسبيا.

واستند الكاتب في مقاله إلى تحليل مسؤولين أمنيين إسرائيليين نظروا إلى هذا الموقف من زاويتين، تمثلت الأولى في أن المواجهة الحالية هي “حرب استنزاف” تهدف إلى تحطيم الروح المعنوية للإسرائيليين عبر إبقائهم في الملاجئ لأطول فترة ممكنة بأقل عدد من الصواريخ.

أما الزاوية الثانية، فترجّح وجود “تصدعات في منظومة القيادة والسيطرة” الإيرانية نتيجة الضربات التي استهدفت مراكز الاتصال والقيادة، مما جعل إدارة الحملة الصاروخية عملية معقدة وغير منتظمة.

وفي المقابل، يؤكد بن كيمون أن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ بحوالي 200 طائرة مقاتلة، هجمات واسعة النطاق استهدفت مئات المواقع في غرب ووسط إيران، مع التركيز على بطاريات الصواريخ أرض-جو.

واللافت هنا هو انتقال الطيران الإسرائيلي إلى مرحلة “السيادة الجوية الكاملة”، حيث بدأت الطائرات تحلق فوق طهران مباشرة لتنفيذ ضربات دقيقة، بدلا من إطلاق صواريخها من خارج الأجواء الإيرانية.

هذا التطور يعكس، في تقدير كاتب المقال، انهيار منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في وقت قياسي.

المعادلة الإقليمية والدولية: ترمب والرهانات الكبرى
لا يمكن قراءة هذا الصراع بمعزل عن الدور الأمريكي، حيث تؤكد التقارير وجود تنسيق وثيق وغير مسبوق بين تل أبيب وواشنطن.

ففي مقاله بصحيفة هآرتس، يشير الكاتب عاموس هاريل إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كان يوازن بين الضغط الدبلوماسي والعمل العسكري، لكن التعنت الإيراني وفرصة تصفية القيادة التي قدمتها له الاستخبارات الإسرائيلية دفعته لاتخاذ قرار الحرب.

ويرى المحللون أن ترمب، الذي قيل إنه تعرض لمحاولة اغتيال إيرانية عام 2021، قد يجد في هذه الحرب فرصة لتسوية حسابات شخصية وسياسية قديمة.

وفي المقابل، تحاول إيران تهديد العالم عبر ضرب منشآت النفط في الخليج واستهداف قواعد في المنطقة توجد بها قوات أمريكية، بهدف الضغط على أسواق الطاقة العالمية وزعزعة استقرار البورصات، وهي نقطة حساسة جدا بالنسبة للرئيس الأمريكي.

نحو نهاية دبلوماسية قسرية
في المحصلة، تكشف هذه القراءات الصحفية أن الحرب الإسرائيلية الإيرانية دخلت مرحلة رمادية، لا نصر سريعا فيها ولا هزيمة واضحة.

فإيران تراهن على الزمن والضغط النفسي، وإسرائيل على التفوق العسكري والدعم الأمريكي، بينما يبقى المدنيون -في إسرائيل والمنطقة- هم الحلقة الأضعف في معادلة تتجاوزهم.

ففي وقت تطلق فيه إيران صواريخها “بالتقسيط” لإبقاء المجتمع الإسرائيلي مشلولا، وتُدار المعارك في غرف العمليات، يتبلور سؤال واحد يتردد في كل التحليلات، وإن بصيغ مختلفة: هل ستكون نهاية هذه الحرب عسكرية، أم سياسية؟ الإجابة، كما يبدو، لن تأتي من الميدان وحده، بل من قرار سياسي دولي يوازن بين كلفة الاستمرار ومخاطر التراجع.

المصدر: الجزيرة + الصحافة الإسرائيلية

Exit mobile version