
323 مدعياً في ميامي… كيف تتحول الاستثمارات الفلسطينية إلى ملف قضائي بأبعاد سياسية في واشنطن؟
كتب: إسلام أبو عرة
لم يعد الاستثمار في البيئات السياسية المضطربة مجرد نشاط اقتصادي محايد، بل أصبح في حالات متزايدة جزءاً من شبكة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية، بحيث يمكن لملف مالي أن يتحول سريعاً إلى قضية قضائية عابرة للحدود، تُعاد فيها صياغة الوقائع ضمن سياقات تتجاوز الفعل الاقتصادي ذاته.
هذا ما تعكسه الدعوى المنظورة أمام محكمة فيدرالية في مدينة ميامي بولاية فلوريدا، والمرفوعة ضد رجل الأعمال الفلسطيني الأميركي بشار المصري، في قضية تعيد فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين الاستثمار والمسؤولية القانونية في مناطق النزاع.
وبحسب وثائق الدعوى، يواجه المصري وشركات فلسطينية تابعة له قضية مدنية تقدم بها 323 مدعياً أميركياً يمثلون 80 عائلة من ضحايا وناجين من أحداث السابع من أكتوبر 2023، استناداً إلى قانون مكافحة الإرهاب الأميركي، الذي يتيح رفع دعاوى مدنية ذات طابع تعويضي واسع.
هذا العدد الكبير من المدعين، وتمثيلهم لعشرات العائلات، يمنح القضية منذ بدايتها ثِقلاً قانونياً وإنسانياً، ويحولها إلى مسار قضائي معقد، يُعاد فيه بناء الوقائع ضمن سرديات قانونية موسعة تتداخل فيها المسؤولية مع السياق السياسي والجغرافي.
في المقابل، قدّم فريق الدفاع عن المصري طلباً رسمياً بإسقاط الدعوى، مؤكداً أن جميع الادعاءات الواردة تفتقر إلى أي أساس قانوني أو أدلة مباشرة، ولا تستوفي معيار الإثبات المطلوب في القضايا المدنية الفيدرالية.
ويشدد الدفاع على أنه لا توجد أي صلة مباشرة أو غير مباشرة بين بشار المصري أو شركاته وبين أي نشاط غير قانوني، وأن ما ورد في الدعوى يعتمد على استنتاجات تربط بين النشاط الاقتصادي والبيئة الجغرافية في قطاع غزة، دون أدلة مادية تثبت العلاقة السببية.
ويرى الفريق القانوني أن هذا النوع من الاستدلال يوسّع مفهوم المسؤولية ليشمل “السياق” بدلاً من “الفعل”، وهو ما يطرح إشكالية قانونية جوهرية تتعلق بحدود مساءلة الاستثمار في مناطق النزاع، وإمكانية تحوله إلى عنصر اشتباه بمجرد ارتباطه الجغرافي والسياسي.
اقتصادياً، يمتد حضور بشار المصري في المشهد الفلسطيني لأكثر من 30 عاماً من الاستثمار، شمل مشاريع كبرى أبرزها تطوير مدينة روابي في الضفة الغربية، إلى جانب استثمارات في قطاعات العقارات والطاقة والتكنولوجيا، ضمن رؤية معلنة تقوم على دعم البنية الاقتصادية وتوليد فرص العمل.
لكن هذا المسار الاستثماري يجد نفسه اليوم داخل فضاء قضائي أميركي يعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، ويطرح إشكالية أعمق من حدود هذه الدعوى: إلى أي مدى يمكن فصل الفعل الاقتصادي عن السياق السياسي في بيئات الصراع، أم أن أحدهما بات يعيد إنتاج الآخر بشكل تلقائي؟
وتعكس هذه القضية، في بعدها الأوسع، نمطاً متكرراً في النظام القضائي الأميركي، حيث تتحول الدعاوى المدنية ذات الطابع الدولي إلى ساحات مفتوحة لإعادة صياغة المسؤولية ضمن سرديات قانونية وإنسانية متداخلة، تتجاوز في كثير من الأحيان حدود الفعل المباشر.
وفي الحالة الفلسطينية، يزداد هذا التعقيد بفعل هشاشة البنية الاقتصادية واعتمادها على استثمارات وشبكات تمويل خارجية، ما يجعل أي نشاط اقتصادي عرضة لإعادة التفسير ضمن سياقات سياسية وقانونية متعددة المستويات.
ورغم ذلك، يتمسك الدفاع بأن توسيع مفهوم المسؤولية على هذا النحو يشكل سابقة قانونية خطيرة، لأنه قد يفتح الباب أمام مساءلة أي استثمار في مناطق النزاع دون إثبات مباشر للفعل، بل بناءً على الربط السياقي وحده.
في المحصلة، تكشف هذه القضية عن انتقال أعمق من كونها نزاعاً قضائياً فردياً، إلى لحظة يعاد فيها رسم العلاقة بين الاقتصاد والقانون والسياسة، بحيث يصبح الاستثمار نفسه جزءاً من معادلة دولية حساسة، لا تُحسم داخل قاعة المحكمة فقط، بل تمتد إلى فضاء أوسع من التأثير والتأويل السياسي العالمي.







