
من بازل إلى غزة… نكبة الإنسانية
بقلم: منيب رشيد المصري
النكبات لا تولد فجأة، والكوارث لا تسقط على الشعوب من فراغ، بل تُصنع بحِرفية سوداوية على امتداد الزمن، حين تتحول الأفكار إلى برامج، والبرامج إلى سياسات، والسياسات إلى جغرافيا من الدم والاقتلاع. هكذا كانت فلسطين؛ لم تكن النكبة التي حلت على الشعب الفلسطيني عام 1948 مجرد نتيجة حرب عابرة أو خلل سياسي طارئ، بل كانت تتويجاً لمسار طويل تشكل داخل العقل الاستعماري الغربي، حين التقت الصهيونية بوصفها مشروعاً إحلالياً مع الإمبراطوريات الأوروبية بوصفها أدوات للهيمنة وإعادة تشكيل العالم. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد فلسطين مجرد أرض تتعرض للاحتلال، بل أصبحت ساحة لصراع أعمق بين سرديتين: سردية شعب يعيش على أرضه منذ قرون، ورواية استعمارية أعادت توظيف الدين عبر فكرة “الشعب المختار”، وسعت إلى إعادة صياغة التاريخ والجغرافيا وفق تصور توسّعي يمتد من النيل إلى الفرات، بما يطال الأرض والإنسان معاً.
في أوروبا القرن التاسع عشر، حيث كانت القوميات تتشكل على وقع التفوق الإمبراطوري والنزعات العنصرية، بدأت الصهيونية تتبلور لا باعتبارها تعبيراً دينياً خالصاً، بل كمشروع سياسي عنصري حديث استفاد من المناخ الاستعماري الذي كان يرى في شعوب الشرق مجرد كتل بشرية قابلة للإدارة أو الإزاحة. وفي تلك اللحظة التاريخية، التقت اليهودية الصهيونية بالصهيونية المسيحية، فبدأ الغرب، سياسياً وفكرياً ودينياً، ينظر إلى فلسطين باعتبارها مساحة يمكن إعادة تشكيلها بما يخدم مصالحه الاستراتيجية وخيالاته الأيديولوجية في آن واحد.
لم يكن الأمر مجرد تعاطف مع اليهود الأوروبيين أو استجابة لمعاناتهم التاريخية، بل كان توظيفاً لتلك المعاناة داخل مشروع استعماري أكبر. ولهذا لم تأتِ الصهيونية إلى فلسطين بوصفها حركة لجوء، وإنما بوصفها مشروع إحلال استعماري مدعوماً بالقوة الدولية. ومنذ المراحل المبكرة ظهرت محاولات أوروبية لفتح الطريق أمام هذا الفكر، بدءاً من حملة نابليون بونابرت على فلسطين عام 1799، التي لم تكن مجرد مغامرة عسكرية، بل لحظة رمزية مبكرة لفكرة السيطرة الأوروبية على المشرق وإعادة هندسته سياسياً. ورغم فشل الحملة عسكرياً أمام أسوار عكا، إلا أن الفكرة بقيت حية داخل العقل الغربي: فلسطين يمكن أن تتحول إلى قاعدة متقدمة للمشروع الاستعماري في قلب الشرق.
ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، خرج المشروع الصهيوني من دائرة الأفكار المتناثرة إلى إطار سياسي منظم. هناك بدأ الحديث بوضوح عن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، لكن هذا المشروع لم يكن قادراً على الحياة وحده؛ كان يحتاج إلى إمبراطورية تتبناه وتحميه وتمنحه الشرعية والقوة. وهنا وجدت بريطانيا في الصهيونية شريكاً مثالياً لمصالحها في المنطقة، خصوصاً مع اقتراب انهيار الدولة العثمانية وتصاعد التنافس على تقاسم المشرق العربي.
في تلك المرحلة لم تعد الصهيونية مجرد فكرة، بل تحولت إلى جزء من الاستراتيجية الإمبراطورية الغربية. فبين اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور، كانت المنطقة تُعاد صياغتها على طاولة القوى الاستعمارية. لم يكن وعد بلفور رسالة عابرة كتبها وزير خارجية بريطاني، بل كان إعلاناً عن تحالف تاريخي بين مشروع استيطاني ناشئ وإمبراطورية تبحث عن تثبيت نفوذها في الشرق. ولهذا لم يكن غريباً أن تتداخل في صناعة الوعد أسماء مثل هربرت صموئيل ومارك سايكس وديفيد لويد جورج، إلى جانب قيادات الحركة الصهيونية مثل حاييم وايزمن وناحوم سوكولوف، في مشهد كشف كيف تلاقت المصالح الاستعمارية لبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية مع الطموح الصهيوني لإنتاج واقع جديد في فلسطين.
كان أخطر ما في المشروع الصهيوني أنه لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل سعى إلى السيطرة على الرواية نفسها. فقد جرى تقديم فلسطين للعالم كما لو أنها “أرض بلا شعب”، في واحدة من أكثر الأكاذيب السياسية تأثيراً في العصر الحديث. وهكذا جرى تحويل الشعب الفلسطيني، الذي كان يشكل (97%) أي الغالبية الساحقة من سكان البلاد، إلى مجرد “طوائف غير يهودية” في النصوص البريطانية، وكأن وجوده التاريخي والسياسي يمكن محوه بعبارة قانونية باردة. لقد بدأت عملية اقتلاع الفلسطينيين من اللغة قبل اقتلاعهم من الأرض.
ومع الانتداب البريطاني، تحولت الصهيونية من مشروع سياسي إلى واقع مادي مسلح. فقد فتحت بريطانيا أبواب الهجرة، وسهّلت بناء المؤسسات الصهيونية، ومنحت الحركة الصهيونية ما يشبه بنية الدولة قبل قيامها، من خلال إنشاء الفيلق اليهودي خلال الحرب العالمية الأولى، والذي شكّل نواة ما جرى لاحقًا تشكيله كجيش إسرائيلي، إلى جانب دعم تأسيس الوكالة اليهودية التي أصبحت الإطار المؤسسي والسياسي الذي بُنيت عليه لاحقًا الدولة. وفي المقابل، جرى تفكيك البنية السياسية الفلسطينية وقمع أي مقاومة وطنية ناشئة. وفي تلك السنوات، لم تكن فلسطين تواجه مجرد موجات هجرة، بل كانت تواجه تحالفاً دولياً يمتلك المال والسلاح والإعلام والغطاء القانوني والدعم الإمبراطوري.
ثم جاءت النكبة عام 1948 بوصفها اللحظة التي خرج فيها المشروع الصهيوني من طور التأسيس إلى طور الإحلال الكامل، عندما التقى الفكر الصهيوني بالإرادة البريطانية في فلسطين، ما أدى إلى تفريغ البلاد من أصحابها. وقد رافق ذلك استخدام وسائل متعددة، بينها بثّ الخوف والتهديد بين السكان العرب اليهود في الدول العربية المجاورة، ودفع بعضهم إلى مغادرة بلدانهم تحت ادعاءات ومخاوف من تعرضهم لمخاطر أو اضطهاد في حال بقائهم. لم تكن مجرد حرب، بل عملية منظمة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة لتحقيق برنامجهم، حيث دُمرت مئات القرى الفلسطينية، وهُجر مئات الآلاف من الفلسطينيين، وأُعيد بناء المكان بأسماء جديدة وروايات جديدة، في محاولة لتحويل الاستعمار إلى “حق تاريخي”. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الفلسطيني يقاتل فقط لاستعادة أرضه، بل لاستعادة سرديته ووجوده وحقه في أن يُعترف به كشعب.
وفي قلب هذه التحولات نشأت أنا، لا كشاهد على النكبة فقط، بل كجزء حي من الوعي الفلسطيني والعربي والاسلامي والدولي الذي تشكل تحت وطأة الاقتلاع. ففي طفولتي، ومنذ الصف الأول الابتدائي عندما كنت في الثامنة من عمري، ومن خلال أحاديث معلمي راغب ملحس، بدأت أسمع لأول مرة عن وعد بلفور وتداعياته، لتتكون لديّ قناعة مبكرة بأن ما يحدث في فلسطين ليس نزاعاً عادياً، بل مشروعاً استعمارياً متكاملاً يستند إلى فكر صهيوني يستهدف اقتلاع شعب كامل من التاريخ. وعندما شاهدت اللاجئين يتدفقون إلى نابلس عام 1948، لم أرى مجرد مهجرين هاربين من الحرب، بل رأيت النتيجة النهائية لمسار بدأ قبل عقود طويلة داخل العواصم الأوروبية وغرف السياسة الغربية.
ومع تطور تجربتي السياسية والفكرية، أدركت أن الصهيونية لم تكن حدثاً انتهى بقيام “إسرائيل”، بل بنية استعمارية مستمرة تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة. فمن الجدار الحديدي الذي نظّر له فلاديمير جابوتنسكي، إلى الحروب العدوانية المتكررة على قطاع غزة، ظل المنطق ذاته قائماً: إخضاع الفلسطينيين بالقوة، وإنكار وجودهم السياسي، وتحويل الاستعمار إلى أمر طبيعي في الوعي العالمي. ولهذا كنت أصر دائماً على التمييز بين اليهودية كدين نحترمه، وبين الصهيونية اليهودية والمسيحية كمشروع سياسي إحلالي استخدم الدين لتبرير السيطرة والتوسع.
ومن هنا، لم يكن نقدي للصهيونية مجرد موقف سياسي، بل محاولة لفهم البنية الفكرية التي أنتجت النكبة وما تزال تنتجها حتى اليوم. فقد رأيت أن الغرب لم يدعم إسرائيل فقط بالسلاح، بل بالدلالة والمعنى والرواية أيضاً، حين جرى تقديم الاستعمار باعتباره دفاعاً عن النفس، وتقديم الضحية باعتبارها خطراً، وتقديم الإبادة التدريجية باعتبارها “حقاً أمنياً”. وهكذا استمر المشروع نفسه، من بازل إلى بلفور، ومن بلفور إلى غزة وجنوب لبنان واليمن وسوريا والعراق، ومن الانتداب إلى الحصار، ومن النكبة إلى واقع استعماري دائم يحاول إعادة تشكيل فلسطين وأرض ما بين النهرين بالقوة، من خلال جرائم الإبادة والتهجير القسري والفصل العنصري.
لكن المفارقة التي لم يستطع المشروع الصهيوني حسمها هي أن فلسطين، رغم كل شيء، بقيت حية. بقي شعبها، وبقيت روايتها، وبقيت الذاكرة أقوى من محاولات المحو. ولهذا لم يكن النضال الفلسطيني مجرد مقاومة عسكرية أو سياسية، بل معركة على التاريخ نفسه؛ معركة لإثبات أن الشعوب لا تختفي لأن الإمبراطوريات قررت ذلك، وأن الحق لا يسقط لأن الاستعمار والفكر الصهيوني اليهودي والمسيحي امتلك القوة.
ومن هذه القناعة، تشكلت رؤيتي للعالم: أن مواجهة الصهيونية لا تكون فقط بمقاومة الاحتلال، بل أيضاً ببناء مشروع أخلاقي وإنساني مضاد، مشروع يقوم على الحق والعدالة لا الإحلال، وعلى الشراكة لا الإقصاء، وعلى تحرير الإنسان لا إعادة إنتاج الهيمنة. ولهذا أؤمن بأن فلسطين ليست مجرد قضية شعب يبحث عن دولة، بل قضية عالم يبحث عن معنى الحق والعدالة في مواجهة أكثر المشاريع الاستعمارية استمراراً في العصر الحديث.
ولهذا، فإن النكبة لا يمكن النظر إليها بوصفها حدثاً من الماضي يمكن تجاوزه بالتقادم أو التكيّف مع نتائجه، لأن آثارها ما تزال حاضرة في الجغرافيا والوعي واللجوء والاقتلاع والحصار والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية والوطنية. فالشعوب لا تُشفى من النكبات عبر إدارة الألم، بل عبر إزالة أسبابه وتحقيق العدالة التاريخية التي تعيد للإنسان حقه وكرامته ووطنه. ومن هنا، فإن أي حديث عن سلام حقيقي يبقى فارغاً ما لم يقترن باعتراف كامل بحق الشعب الفلسطيني في العودة، وتقرير المصير استناداً إلى قرار مجلس الأمن 194، الذي دعا إليه الدبلوماسي الدولي فولك برنادوت والذي تم اغتياله لاحقاً على يد عصابات صهيونية، كما ويشير السياق التاريخي أيضاً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، الذي آمن بإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وحقوق سياسية للفلسطينيين قبل أن يتم اغتياله. كما يتطلب ذلك وقف التهديدات التي تطال شعوباً عربية أخرى، ورفض أي مشاريع تقوم على تهجير السكان أو إحلال شعوب مكان أخرى، وهو ما تحدّث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل صريح في خطاباته أمام الأمم المتحدة خلال عامي 2023 و2024.
غير أن مواجهة المشروع الصهيوني لا تقتصر على مقاومة الاحتلال وحدها، بل تتطلب أيضاً إعادة بناء الذات الفلسطينية على أسس أكثر، وحدة، ووضوحاً، وصلابة. فبعد عقود طويلة من الانقسام والتآكل السياسي وتراجع المشروع الوطني الجامع، بات من الضروري إعادة الاعتبار للفكرة الوطنية الفلسطينية باعتبارها إطاراً جامعاً لكل الفلسطينيين، داخل الوطن وفي الشتات، يقوم على تجديد الشرعيات، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة الثقة بين الشعب وقياداته عبر صناديق الاقتراع، والاتفاق على رؤية وطنية موحدة تنطلق من الثوابت التاريخية والحقوق غير القابلة للتصرف.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد خطاب سياسي جديد، بل إعادة إنتاج فكر وطني جامع يعيد تعريف الأولويات، ويحوّل القضية الفلسطينية من حالة انقسام وإدارة أزمة إلى مشروع تحرري متكامل، يبدأ بفكرة واضحة، ويتحول إلى برنامج سياسي ووطني، ثم إلى خطة عمل واقعية قادرة على توحيد الطاقات الفلسطينية والعربية والدولية في مواجهة الاحتلال والاستعمار والإقصاء. فالشعوب التي تناضل من أجل الحرية لا يكفيها أن تمتلك عدالة القضية، بل تحتاج أيضاً إلى وحدة الإرادة ووضوح المشروع والقدرة على تحويل الوعي إلى فعل تاريخي مؤثر.
وفي جوهر هذه الرؤية، لا تبدو فلسطين مجرد قضية حدود أو سلطة أو نزاع سياسي عابر، بل جزءاً من معركة إنسانية أوسع ضد الظلم، والاستعمار، والعنصرية، والحروب. وهذا ما تبناه العالم الحر بعد حرب الإبادة الجماعية وما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات كبيرة حيث حولت دماء أطفال غزة وكل ما تعرض له شعبنا من ظلم ومعاناة الرأي العام العالمي ووعيه لتعود فلسطين القضية المركزية على مستوى العالم ، وقضية الإنسانية جمعاء، وليترسخ حق الفلسطينيين في العيش بحرية وأمن وسلام كحق لا ينفصل عن حق الإنسانية كلها في بناء عالم أكثر عدالة، عالم لا تُدار فيه الشعوب بمنطق القوة والغلبة، ولا تُختزل فيه حقوق الإنسان بحسابات المصالح، بل عالم يسوده الحق والعدالة، وخالٍ من الحروب والأوبئة والحدود التي صنعتها الهيمنة والخوف والكراهية. وفي هذا المعنى، تصبح فلسطين، بكل آلامها وصمودها، ليست فقط قضية شعب يقاوم من أجل وطنه، بل اختباراً أخلاقياً لمستقبل العالم نفسه.
وهكذا، فإن المسار الذي بدأ في المؤتمر الصهيوني الأول بوصفه فكرة سياسية مدعومة بالقوة الاستعمارية، انتهى بعد أكثر من قرن إلى مشاهد الإبادة والدمار في غزة، والتهجير القسري والفصل العنصري في الضفة، بما يكشف أن المشروع القائم على الإحلال ونفي الآخر لا يمكن أن ينتج سلاماً أو أمناً أو استقراراً، بل يعيد إنتاج العنف والمآسي بصورة مستمرة. ومن هنا، فإن مسؤولية الإنسانية اليوم لا تقتصر على وقف الحرب، بل على إنهاء الجذور الفكرية والسياسية التي قادت إليها، والانتصار لقيم الحق والعدالة والحرية، حتى لا يبقى الشعب الفلسطيني والعربي والاسلامي والدولي يدفع ثمن مشروع استعماري بدأ في بازل وما تزال آثاره الدموية مستمرة حتى اليوم.







