لمتابعة أهم الأخبار أولاً بأول تابعوا قناتنا على تيليجرام ( فجر نيوز )

انضم الآن

هذا ما بنيناه: إرث بريطانيا غير المكتمل في فلسطين



بقلم: ديل فينس

ديل فينس (مواليد 29 أغسطس 1961 في نورفك، المملكة المتحدة) هو رجل أعمال بريطاني ومؤسس شركة Ecotricity، وهي واحدة من أولى شركات الطاقة الخضراء في المملكة المتحدة. يُعرف فينس أيضًا بنشاطه البيئي والسياسي، وقد حصل على وسام الإمبراطورية البريطانية (OBE) تقديرًا لخدماته في مجال البيئة. تتركز أعماله على قطاعات الطاقة المتجددة، والنقل، والغذاء.

وقّع رجل الأعمال البريطاني ديل فينس، مؤسس شركة Ecotricity، إلى جانب أكثر من 30 شخصية عامة وفناناً وكاتباً ورجل أعمال، رسالة مفتوحة تطالب بريطانيا بالاعتذار عن مسؤوليتها التاريخية تجاه فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني بين عامي 1917 و1948. وتستند الرسالة إلى عريضة قانونية مؤلفة من 400 صفحة أعدّها كبار المحامين والأكاديميين، توثّق ما تصفه بانتهاكات بريطانيا للقانون الدولي وارتكابها ممارسات شملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي والعقاب الجماعي بحق الفلسطينيين. وتأتي الرسالة قبيل الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة في الخامس عشر من أيار/مايو، والتي شكّلت محطة تاريخية أدّت إلى تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني عام 1948، فيما يرى الموقّعون أن السياسات التي أرستها بريطانيا خلال الانتداب ما تزال تنعكس في واقع الفلسطينيين حتى اليوم.

في الوقت الحالي، يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت حكم القانون العسكري الإسرائيلي، حيث يمكن اعتقالهم دون توجيه أي تهمة، ومحاكمتهم أمام محاكم عسكرية تتجاوز فيها معدلات الإدانة 96%، وإخضاعهم لأنظمة طوارئ تجعل سلطة الاحتلال بمنأى عن أي طعن قانوني فعلي. في المقابل، يعيش جيرانهم الإسرائيليون تحت القانون المدني. شعبان، ونظامان قانونيان، وأرض واحدة. إنه ترتيب يصفه معظم الناس بأنه غير عادل، لكن ما لا يعرفه كثيرون هو أن بريطانيا هي من صمّمت هذا النظام.

خلال ثلاثين عاماً من الحكم البريطاني على فلسطين، أنشأنا البنية القانونية التي لا تزال قائمة حتى اليوم، مثل صلاحيات الطوارئ، والمحاكم العسكرية، والعقاب الجماعي، والنظام القانوني المزدوج. نحن من بنيناه. وعندما غادرنا في عام 1948، لم نقم بتفكيكه، بل جرى تبنّيه ومواصلة العمل به وتطبيقه.

وتشرح عريضة قانونية مكونة من 400 صفحة، أعدّها كبار المحامين ومؤرخون، كل هذه التفاصيل بدقة متناهية. وقد قُدّمت العريضة إلى الحكومة من قِبل حملة “Britain Owes Palestine” قبل أكثر من ستة أشهر، ولم يصدر أي رد حكومي عليها حتى الآن. وقد شاركتُ مؤخرًا في توقيع رسالة مفتوحة تدعو رئيس الوزراء إلى كسر هذا الصمت، وتقديم اعتذار رسمي عن الدور الذي لعبته بريطانيا. وتستند الأدلة الواردة في هذه العريضة بشكل ساحق إلى أرشيفات بريطانيا نفسها. إن سجلاتنا نحن هي التي تروي القصة، وهي قصة دامغة.

تحدّد العريضة سبعة أفعال غير مشروعة دوليا ارتكبتها بريطانيا بين عامي 1917 و1948. وتبدأ العريضة بتصريح بلفور، وهو وعد بدعم إنشاء وطن قومي لليهود على أرض كان يقطنها نحو 90% من العرب المسلمين والمسيحيين، دون موافقة السكان الأصليين الذين يعيشون هناك. وقد خالف هذا الوعد بشكل مباشر اتفاقية كانت قد أبرمتها بريطانيا مع الزعماء العرب لدعم استقلالهم. أي أننا قطعنا وعدا، ثم نكثناه.

لم يكن ما تلا ذلك مجرد سوء إدارة، بل كان من المفترض أن تحافظ بريطانيا على النظام القائم في فلسطين، لكنها بدلاً من ذلك غيّرت وجه المكان جذريًا: قوانينه، وتركيبته السكانية، ونظام ملكية أراضيه. لم يكن للشعب الفلسطيني أي رأي ديمقراطي في أي من ذلك. فقد كان المندوب السامي يحكم بموجب مراسيم، وعندما طُرح اقتراح إنشاء مجلس تشريعي بأغلبية عربية، رُفض في مجلس العموم، وأُغلقت جميع سبل الاحتجاج السلمي. وهكذا أفضى هذا المسار إلى اندلاع الثورة العربية عام 1936.

كان رد بريطانيا وحشيا، ففرضت الغرامات الجماعية على القرى بأكملها، وأُصدرت لوائح طوارئ جرّدت السكان من حقوق الاستئناف. كما أُقيل رئيس القضاة لانتقاده استخدام الحكومة لصلاحيات الطوارئ، وأُلغيت بالكامل التحقيقات في حالات القتل على يد الجيش. وأُرسل الجنود في ما وُصف رسميا بـ “المداهمات العقابية”، ما كان يعنيه ذلك في الواقع هو تحطيم الأثاث، وتدمير مخازن الحبوب، ونهب المنازل. وعندما وصلت تقارير هذه الانتهاكات إلى لندن، اعترف وزير المستعمرات لمجلس الوزراء بأنه قد تعمّد إخفاء أي ذكر لـ “فظائع” الشرطة في تصريحاته أمام البرلمان.

 قُتل ما لا يقل عن 5,000 فلسطيني خلال ثلاث سنوات، وأُصيب 15,000 آخرون بجروح، واستُخدمت سلطات الطوارئ والعقاب الجماعي بشكل شبه حصري ضد العرب الفلسطينيين. ولم تكن لدى المحاكم العسكرية أي آلية للاستئناف أو أي رقابة خارجية. والمفارقة هنا عندما غادرت بريطانيا أخيرًا في عام 1948، أقرّ البرلمان قانونًا بأثر رجعي منح المسؤولين البريطانيين حصانة من أي ملاحقة قضائية عن أفعال ارتُكبت خلال فترة الانتداب. وبذلك أخفوا آثار جرائمهم عند مغادرتهم.

هذه الاستمرارية مهمة، لأنها ليست مجرد تاريخ. ففي هذا العام، أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانونًا يفرض عقوبة الإعدام الإلزامية على الفلسطينيين الذين يُحاكمون أمام المحاكم العسكرية نفسها، وهو قانون وصفه المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأنه جريمة حرب. وتُظهر العريضة أنه خلال فترة الانتداب البريطاني، كان بإمكان المحاكم العسكرية البريطانية فرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين دون إمكانية الاستئناف، بموجب لوائح تتجاوز القضاة المدنيين تمامًا. لقد تطور هذا النظام، لكن جوهره بريطاني.

رئيس الوزراء محامٍ سابق في مجال حقوق الإنسان ومدير سابق للنيابة العامة. وقد بنى مسيرته المهنية على مبدأ أهمية المساءلة. وكان الاعتراف بدولة فلسطين هو الصواب. لكن الاعتراف بحقوق شعب ما مع رفض النظر في دورنا في سلبها هو خطأ. ما فعلناه في الماضي له تداعيات على الحاضر، وما نفعله اليوم قد تكون له عواقب وخيمة على المستقبل. لهذا السبب، الاعتذارات ضرورية. لقد حان الوقت لبريطانيا أن تعترف بأفعالها الماضية والحاضرة، وقد يساعد ذلك حتى في تعزيز دور بلدنا في المهمة الجسيمة المتمثلة في المساعدة على إحلال السلام في الشرق الأوسط.

الرابط المختصر:

مقالات ذات صلة