لمتابعة أهم الأخبار أولاً بأول تابعوا قناتنا على تيليجرام ( فجر نيوز )

انضم الآن

الواق واق”… حين حمل الهاربون أوطانهم المريضة معهم إلى الجزيرة



د.اسامة عبدالله

هناك أعمال درامية تشاهدها للتسلية، وأخرى تشاهدها لأنك تشعر أن الكاتب يضع إصبعه داخل الجرح مباشرة. “الواق واق” من النوع الثاني؛ عمل يبدو في ظاهره كوميديا ساخرة عن ناجين من البحر وصلوا إلى جزيرة مجهولة، لكنه في العمق أقرب إلى جلسة اعتراف جماعية طويلة مع العقل العربي بعد الخراب.
ممدوح حمادة لم يكتب جزيرة خيالية، بل كتب المنطقة كلها وهي تحاول أن تبدأ من جديد، ثم تفشل بالطريقة نفسها القديمة.
الفكرة تبدو بسيطة جداً: مجموعة بشر هاربين من الموت والقهر يصلون إلى مكان بلا دولة، بلا أجهزة أمن، بلا حدود، بلا تاريخ ثقيل. عملياً، هذه فرصة ذهبية لأي مجتمع كي يعيد تعريف نفسه بعيداً عن كل ما دمّره سابقاً. لكن المفاجأة أن هؤلاء لم يهربوا من أنظمتهم فقط، بل حملوا الأنظمة معهم داخل رؤوسهم.
وهنا تكمن عبقرية العمل، العسكري في “الواق واق” لا يستطيع رؤية الحياة خارج فكرة الرتبة. بالنسبة له، أي مكان يحتاج قائداً وأوامر وطاعة وعقوبات، حتى في جزيرة لا يوجد فيها شيء يستحق السيطرة أصلاً، يبدأ فوراً بمحاولة بناء هرم سلطوي جديد، وكأن الإنسان العربي تربى طويلاً على أن السلطة ليست وسيلة لتنظيم الحياة، بل غاية بحد ذاتها.
وهذا ليس بعيداً عن واقع المنطقة، بعد كثير من الثورات العربية، خرج الناس يطالبون بإسقاط القمع، لكن جزءاً كبيراً منهم كان يبحث فقط عن “نسخة جديدة” من الحاكم، لا عن فكرة جديدة للحكم، كأن المجتمعات التي عاشت طويلاً تحت الحكم العسكري لم تعد تعرف كيف تتخيل نفسها خارج صورة “القائد الضرورة”.
في الجهة الأخرى، يظهر اليساري الحالم بعدالة مطلقة وتوزيع متساوٍ لكل شيء، يتحدث عن مجتمع جديد بلا طبقات، لكنك تشعر تدريجياً أن الفكرة نفسها تتحول إلى خطاب نظري جميل أكثر منها مشروعاً قابلًا للحياة، يشبه كثيرًا من الأحزاب العربية التي بقيت لعقود تتحدث عن الجماهير بينما كانت بعيدة تماماً عن الناس الحقيقيين.
أما رجل المال، فهو ربما أكثر الشخصيات واقعية في المسلسل، هذا النموذج العربي الذي يرى كل شيء من زاوية الربح والخسارة، بالضبط مثل شخصية مسعود في مسلسل التغريبة، حتى الكارثة نفسها تتحول عنده إلى فرصة استثمار، يشبه طبقة كاملة ظهرت بعد الحروب العربية؛ أثرياء الأزمات الذين راكموا الثروات من انهيار المدن والناس، من تجارة المعابر، والتهريب عبر الأنفاق والإغاثة، وحتى الدم أحيانا.
ثم يأتي الإسلامي السياسي، لا بوصفه ممثلاً للدين، بل لحركات اختزلت الدين في المظهر والسلطة الأخلاقية على الآخرين. الشخصية كانت ذكية جداً لأنها لم تُقدَّم كشيطان، بل كإنسان مليء بالتناقضات. يتحدث عن الفضيلة بينما يعيش هشاشته الخاصة، ويتمسك بالشكل الخارجي لأنه يخاف من فراغه الداخلي، وربما هنا أراد الكاتب أن يقول إن بعض التيارات لم تكن تبحث دائماً عن خلاص المجتمع بقدر ما كانت تبحث عن ضمان بقائها داخله.
حتى المحامية، التي تبدو في البداية صوت الحرية والعقل، تتحول تدريجياً إلى نموذج آخر للإنسان الذي يريد القانون على مقاسه الشخصي، حرية نعم، لكن بشرط أن تخدم قناعاته وعقده الخاصة.
الجميل في “الواق واق” أن الشخصيات ليست شريرة بالكامل ولا نبيلة بالكامل، بل مزيج مرتبك يشبهنا تماماً، وهذه نقطة قوة نادرة في الدراما العربية؛ لأن العمل لا يوزع بطولات أخلاقية، بل يضع الجميع أمام المرآة.
واحدة من أهم الجمل في المسلسل جاءت على لسان شخصية مسحوقة، تبحث دوما عن سيدها، قالت ببساطة مرعبة:
” إنّ المجتمع مقسوم إلى مستويين… وحتى يبقى المستوى العلوي موجودا، يجب أن يصنع مستوى سفلياً مسحوقاً يتلذذ في حكمه وتعذيبه”.
هذه ليست جملة درامية فقط، بل تلخيص دقيق للعلاقة بين السلطة والمجتمع في كثير من الدول العربية، الأنظمة لا تعيش فقط بالقوة، بل بإقناع الناس أن مكانهم الطبيعي هو الأسفل، وأن الخوف أكثر أماناً من الحرية.
لكن أخطر ما يقوله “الواق واق” ليس عن السلطة، بل عن الناس أنفسهم.
بعض الشخصيات، رغم أنها أصبحت حرة تماماً لأول مرة، بدأت تبحث تلقائياً عن سيد جديد، كأن الحرية بالنسبة لها حالة مربكة وغير مألوفة، وهذا يشبه تماماً مجتمعات خرجت من القمع لكنها بقيت خائفة من اتخاذ قرارها بنفسها، فاستبدلت الأصنام القديمة بأصنام جديدة.
المسلسل هنا لا يسأل لماذا فشلت الأنظمة فقط، بل لماذا فشل الناس أيضاً في التخلص من فكرة “القطيع”. لماذا بقيت ثقافة الطاعة أقوى من فكرة الشراكة؟ ولماذا ما زلنا نبحث دائمًا عن زعيم مخلّص بدل البحث عن مجتمع ناضج؟
“الواق واق” لا يقدم إجابات جاهزة، لكنه يطرح السؤال الأهم: هل يمكن بناء وطن جديد بعقلية قديمة؟
وربما هذه هي خلاصة العمل كلها؛ المشكلة لم تكن يوماً في الجزيرة، ولا حتى في السفينة الغارقة… المشكلة كانت في الحمولة الفكرية والنفسية التي أخذها الناجون معهم إلى الشاطئ الجديد.
ولهذا بدا “الواق واق” عملًا عن سوريا، وعن مصر، وعن العراق، وعن فلسطين، وعن أي مكان عربي حاول النجاة من الخراب، فاكتشف أن الخراب الأكبر يسكن داخله منذ زمن طويل.

الرابط المختصر:

مقالات ذات صلة