
ترقب من الحلفاء والأعداء.. ما الذي سيقوله ترمب في خطاب الليلة؟
يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحطيم التقاليد المتعارف عليها في السياسة الأمريكية، مطلقا موجة من التصريحات المتضاربة التي لم تترك للمحللين السياسيين فرصة لالتقاط أنفاسهم في محاولة لفك شفرة خطواته المقبلة.
وفي غضون ساعات، قفز ترمب من “خندق” التهديد بسحق الأهداف الإيرانية، إلى “منصة” الإشادة بذكاء الخصوم وطلبهم وقف النار، وصولا إلى التلويح بقطع “شريان الحياة” عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) واصفا اياه بـ”نمر من ورق”، بعد أن اتهمه بالتقاعس عن دعم العمل العسكري الأمريكي ضد إيران.
هذا “الارتجال الصادم” الذي يمارسه ترمب، عبر تصريحاته في وسائل الإعلام المختلفة، حوّل الخطاب المرتقب الليلة من مجرد كلمة رئاسية إلى “قنبلة موقوتة” مرتقبة سياسيا، حيث بات واضحا أن الإستراتيجية الوحيدة في واشنطن هي “تغييب الإستراتيجية”، وترك العالم بأسره يغرق في التخمينات، وفقا لمحللين.
سيناريو “وقف الحرب”
ومع اقتراب ساعة الصفر، يبرز مسار “وقف الحرب” كخيار جدي عززه ترمب بإعلانه الصريح عبر “تروث سوشيال” أن النظام الإيراني طلب من الولايات المتحدة “للتو” وقف إطلاق النار، واصفا المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي بأنه “أقل تطرفا وأكثر ذكاء من أسلافه”.
ومضى ترمب أبعد من ذلك في مقابلته مع رويترز مؤكدا أن إيران لن تمتلك سلاحا نوويا، وأن واشنطن “غيّرت النظام الإيراني بالكامل”، لدرجة أنه لم يعد يأبه بالمواد النووية هناك طالما أنها تحت مراقبة الأقمار الاصطناعية، مشددا على أن القوات الأمريكية ستخرج سريعا دون الالتزام بجدول زمني محدد، مما يعطي انطباعا بأن إعلان التهدئة بات قاب قوسين أو أدنى.
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية قولهم أمس إن الرئيس ترمب أبلغ مساعديه باستعداده لإنهاء الحملة العسكرية ضد إيران، حتى وإن ظل مضيق هرمز مغلقا إلى حد كبير، في حين أكد مسؤول باكستاني أن نجاح وساطة بلاده مرهون بقرارات أطراف النزاع.
النقطة الأكثر أهمية وحساسية في هذا المشهد تكمن فيما يدور خلف الكواليس بين واشنطن وتل أبيب، فبينما يتحدث ترمب عن “أمريكا” فقط وانسحابها، يرى المحلل السياسي رعد هاشم أنه قد يشي بتمهيد لسيناريو “الانسحاب الذكي”، حيث تنسحب القوات الأمريكية من المواجهة المباشرة لتخفيف الضغط السياسي الداخلي، مما يضمن لترمب صورة “صانع السلام” ولإسرائيل حرية الحركة العسكرية.
ووفقا لهاشم، في حديثه للجزيرة نت، فإن السيناريو الأرجح الليلة هو “توافق خفي” يقضي بانسحاب أمريكي في الواجهة الإعلامية والسياسية لإرضاء الداخل، مع بقاء إسرائيل منفردة بتنفيذ الضربات والاستهدافات الجوية.
هذا التوافق غير المعلن يمنح ترمب “أريحية” الانسحاب السياسي مع بقاء الضغط العسكري قائما عبر الذراع الإسرائيلية، مما يعني أن الحرب قد تنتهي أمريكيا، لكنها ستبدأ فصلا جديدا وأكثر دموية عبر “توزيع الأدوار” الإستراتيجي بين الحليفين، وفق حديثه.
سيناريو “الحرب المستمرة”
ومع ذلك، يظل شبح “استمرار الحرب والتصعيد البري” قائما بقوة في ثنايا تصريحاته العنيفة، حيث ربط ترمب مسألة وقف إطلاق النار بشرط قاطع وهو أن يكون مضيق هرمز “مفتوحا وحرا للملاحة”، متوعدا بمواصلة ضرب إيران حتى يتحقق ذلك.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لفت الرئيس الأمريكي بوضوح إلى وجود “بعض الأهداف المتبقية” داخل إيران، مؤكدا بلهجة حاسمة أنه “إذا لزم الأمر فسنعود لضربها”، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام احتمال بداية عمل بري أو ضربات جراحية قاصمة في حال استمر إغلاق المضيق، معتبرا أن القوة هي اللغة الوحيدة التي تضمن المصالح الأمريكية.
وبينما تنشغل الدبلوماسية بفك شفرة تصريحات ترمب “الناعمة”، تكشف الاستعدادات العسكرية الأمريكية على الأرض عن مسار مغاير تماما؛ إذ يرى أستاذ العلوم السياسية أيمن البراسنة أن التحشيد العسكري الراهن تجاوز عتبة “الردع التقليدي” ليدخل مرحلة التحضير لعمليات برية محدودة وذات أهداف جراحية دقيقة.
ويقول البراسنة، في حديثه لـ”الجزيرة نت”، أن كل المؤشرات على الأرض لا توحي بتهدئة قريبة، بل تشير إلى “استمرار العمليات” بأشكال مختلفة، ويستند البراسنة في رؤيته هذه إلى نمط متكرر في سلوك ترمب، وهو تحديد مهل زمنية (مثل مهلة الـ48 ساعة التي مُددت لـ5 أيام) دون تنفيذ حاسم، مما يجعلها أداة للضغط النفسي والسياسي وليست التزاما بإنهاء النزاع.
ويضيف أن ترمب نفسه صرح بأنه “لا يعتقد أن الحرب ستنتهي هذا الأسبوع”، رغم تأكيده أنها “لن تطول”، هذا التناقض بين الحديث عن “قرب النهاية” وبين غياب إستراتيجية متكاملة لمرحلة “ما بعد التصعيد”، يعزز القناعة بأن خطاب الليلة سيهدف لتسويق “صورة نصر” أمام الداخل الأمريكي، بينما يظل الميدان مشتعلا بانتظار نتائج العمليات البرية المحدودة التي تخطط لها وزارة الحرب (البنتاغون) لحسم ملف مضيق هرمز بالقوة، بعيدا عن طاولة المفاوضات المتعثرة.
هذا الضغط الميداني -بحسب البراسنة- يتناغم مع “تمهيد” موازٍ يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي بدأ بالفعل يُسوّق لـ”إنجازات عسكرية” كبرى وقضاء على أركان النظام، في خطوة استباقية تهدف لامتصاص أي قرار “مفاجئ” قد يصدره ترمب لوقف الحرب، بحيث يخرج الحليفان بصورة “المنتصر” الذي حسم الملف بالقوة قبل الجلوس على طاولة التفاوض.
وعليه، يظل ملف مضيق هرمز هو “نقطة الاشتباك المركزية” التي يرفض ترمب حسمها سياسيا دون استعراض قوة ميداني يُكمل صورة “النصر الأمريكي” أمام الناخب في الداخل، مما يجعل التصعيد العسكري هو “سيد الموقف” الحقيقي الليلة، رغم كل رسائل التهدئة “المفخخة” التي يرسلها البيت الأبيض عبر “تروث سوشيال”، وفق حديثه.
زلزال الناتو والتلويح بالانسحاب
تتمثل الصدمة الكبرى التي يحبس العالم أنفاسه بانتظارها الليلة في موقف الرئيس ترمب من (الناتو)، والذي وصفه في تصريحاته بـ”نمر من ورق”.
وينطلق ترمب في هجومه من انتقاد لاذع لتقاعس الحلفاء عن دعم العمل العسكري الأمريكي ضد إيران، مؤكدا أن النقاش داخل إدارته حول الانسحاب من اتفاقية الدفاع المشترك “تجاوز مرحلة إعادة النظر”، وهي الرسالة التي يهدف من خلالها لإفهام العالم أن أمريكا لن تكون “حارسا مجانيا” لمن لا يشاركها أعباء حروبها.
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن ترمب أثار مع مستشاريه إمكانية الانسحاب من حلف الناتو إذا لم يساعد الحلفاء في إعادة فتح مضيق هرمز.
وفي قراءته لهذا التصعيد، يرى هاشم أن هذه التصريحات ليست عفوية، بل هي جزء من إستراتيجية مدروسة تهدف بالدرجة الأولى إلى “إرباك الخصم” والحلفاء على حد سواء عبر حرب نفسية ومعلوماتية.
فترمب يستخدم التلويح بالانسحاب كأداة لزرع الشك ليس فقط في بروكسل، بل في دوائر صنع القرار في طهران وموسكو وبكين، لدفعهم لإعادة “حسبة” خياراتهم وتكاليف الرد في ظل انهيار محتمل للمظلة الأمنية الغربية، مما يضع الجميع في حالة تردد تمنعهم من اتخاذ قرارات حاسمة، وفق حديثه.
من جانبه، يتفق البراسنة مع وجود حالة من الانزعاج الأمريكي العميق، نظرا لأن دول الناتو لا تعتبر الحرب الحالية حربها، وهو ما سيظهر جليا في خطاب الليلة.
ومع ذلك، يستبعد البراسنة أن يذهب ترمب إلى حد إعلان الانسحاب الرسمي والنهائي؛ إذ يرى أن الأمر سيقتصر على إبداء “الاستياء العنيف”، نظرا لأن الحلف لا يمثل مجرد رمزية أمنية، بل هو “المظلة” التي تجمع الغرب والذراع العسكرية والسياسية الأقوى التي لا يمكن لواشنطن التخلي عنها بسهولة، مما يجعل تهديدات ترمب أقرب إلى “عملية ابتزاز” كبرى لإعادة تطويع الحلفاء تحت الرؤية الأمريكية المنفردة.
“خطاب الأمة”.. تسويق النصر وإقناع الداخل الأمريكي
يتفق الخبراء على أن خطاب ترمب المرتقب الليلة يحمل بصمات واضحة موجهة بالدرجة الأولى للداخل الأمريكي والرأي العام المحلي. ويرى البراسنة أن ترمب سيسعى جاهدا لعرض “إنجازات” عسكرية وإستراتيجية تم تحقيقها بالفعل، بهدف تقديم صورة القائد الحاسم الذي انتزع تنازلات تاريخية بأقل التكاليف، محاولا إقناع المواطن الأمريكي بأن انخراط بلاده في هذا الصراع كان ضروريا ومثمرا، خاصة في ظل الحساسية المفرطة تجاه الصراعات الخارجية الطويلة.
وفي هذا السياق، يتقاطع تحليل هاشم مع هذه الرؤية، معتبرا أن الخطاب هو “لعبة سياسية” مدروسة تحمل رسائل مقصودة؛ فترمب يحاول تمرير فكرة للرأي العام الأمريكي هي أن الحرب “انتهت عسكريا” حتى وإن لم تحسم جذريا، وذلك عبر تسويق “القيادة الإيرانية الجديدة” كطرف أُجبر على التراجع، والدليل على ذلك تسمية خطابه اليوم بـ”خطاب الأمة”.
في ظل حالة الفوضى الإعلامية وتضارب التأويلات، يرى المحلل السياسي يوحنا موسى أن خطاب ترمب الليلة يأتي كضرورة لضبط اللغط الناتج عن تحوير المعلومات عبر تقنيات “الذكاء الاصطناعي”، التي جعلت الصورة الحقيقية لما يدور في الغرف المغلقة ضبابية تماما. ويشير موسى إلى أن ترمب يسعى حاليا لاستعادة زمام المبادرة في “رواية الأحداث” بعد أن أصبحت المعطيات الميدانية تتحدث عن نفسها دون الحاجة لتصريحات مباشرة.
وفي حديثه لـ”الجزيرة نت”، يؤكد موسى أن تسريبات من دوائر مقربة تشير إلى أن التقييمات الاستخباراتية خلف الكواليس تتحدث عن سيناريو “أكثر تعقيدا” من مجرد ضربة عادية، مما جعل الموقف في حالة “ترقب معلق”.
وبناء عليه، يرى يوحنا موسى أن الصورة تتحدث اليوم، فالتحركات على الأرض تحمل دلالات إستراتيجية أعمق من الكلمات، والخطاب يهدف بالأساس لقطع الطريق على التكهنات التي قد تخرج عن السيطرة.
الحقيقة الكامنة خلف هذه التحليلات تشير إلى أن الشرق الأوسط بصدد “تغيير في شكل الحرب لا إنهاء لها”، فواشنطن قد تنسحب من “الواجهة” لتترك إسرائيل تدير “الكواليس” بضربات متفرقة، بينما يظل ملف مضيق هرمز معلقا بانتظار نتائج العمليات البرية المحدودة التي يراها العسكريون ضرورة لحسم ميزان القوى.
وعليه، فإن خطاب الليلة قد ينجح في تهدئة الأسواق وضبط اللغط الإعلامي، لكنه لن يطفئ محركات الطائرات أو يعيد الأساطيل، طالما أن الصورة تتحدث على الأرض عن حشد وتأهب يتجاوز لغة التغريدات والوعود الدبلوماسية.
المصدر: الجزيرة







