"حارتك تشتاقكِ ياسمين"، من رواية رسائل زرقاء

الأربعاء 29 أبريل 2015

"حارتك تشتاقكِ ياسمين"، من رواية رسائل زرقاء
التفاصيل بالاسفل

ملاحظة: القصة واقعية تماماً، والرواية في صدد النشر عمّا قريب.
توقفت والذهول يعانقني بشدة أكبر، وصوت التصفيق بدا يعلو ويعلو، بصمت لا أدري ماذا أفعل؟، حينها اختتم حديثي ب "الطموح ركبة من ركب الحياة، كلما اشتدّ ساعدنا وصلنا إليه، يحتاج منا لإصرار كبير، ودفعة تفاؤل تحذو بنا إلى المستحيل لنحقق المعجزات".
 وبين أزقة شوارعها أوقفني مشهد ذاك البائع الذي انتعل مركبة يحذوها بعضُ كتب لروايات بوليسية يبدو أنها شيقة ممزوجة بقصص يملؤها رحيق من واقع يبدو مرعباً.
- مساؤك خير
- مساؤك خير أيضاً
- لقد جذبني مكنون تلك الرواية، يبدو أنها مليئة بالرعب، هل لك أن تعطيني إياها؟.
- يا لبراءتك، فتاة في التاسعة عشر من عمرها يحدق نظرها روايات بوليسية.
- وما العيب في ذلك يا عمي؟
- فتيات بعمرك يبتعن روايات لحب، يدور عقلهن دائماً بفارس أحلام بيضاء يرسمن به طريقهن نحو المستقبل.
-أتدري، إنّ الحب لغم في شقّ طريق تهوي به نفسك، كلما اقتربت منه زاد من خطره عليك، وإني أخاف الاقتراب.
وترك الدمع سطراً من خدّه يلوح ناظري، يا ترى ما الذي  أبكاه في كلامي؟، يبدو أنّ جزءاً منه قد لامس ذاكرته إلى الوراء، تجاعيدك يا عمّي تذكرني برائحة أجداد تمسكوا بمفتاح العودة، وانتظروا..انتظروا كثيراً، وعاث الموت قلوبهم، يا لجمال كلّ شيء بك، سأنتظر ريثما ينهي بكاءه، وإني أريد معرفة السرّ.
وغفلت مشهده لألقي نظرة مركزة على تلك الكتب التي تستنشق من الروح مزاجية كبرى، جميعها يلتهم الصدر بعنوانه، ويركز حدقة عينيك على مضمونها، ويجذبك منحى منحى لشرائها جميعاً.
-يا الله لم يتبقَ معي إلا ثمن تذكرة القطار الذي سأعود به إلى البيت، ورواية واحدة فقط.
وبين طرفة البحث بين مكنون هذه الروايات، شاهدته يُملي عينيه بصورة أخرجها من رواية لا شك أنها غزليّة تحاكي ما يسمى ب "الحب"، يا لغباء عقول قارئي هذه السخافات، كم يضيعون من وقتهم لقراءة "سفاسف الأمور", واقتربت منه دافعةً بفضولي لمعرفة ماذا يخبئ؟.
-لقد أنهكت عينيك بالبكاء يا عمي، ما الذي أوجعك في كلامي ؟
وبدأ من هنا يروي حكاية ياسمين العتيقة، الذي انتظرها مدة ستة سنين حتى قدمت، لقد أحبّ فتاة تشقّ الملائكة في جمالها كما روى، وأنجب منها طفلة بعد عدة محاولات.
-ياسمين كبرت أمامي يا ابنتي لحظة لحظة، لقد سجدت لربي مراراً، شاكراً له منحي قطعة من الجنّة، لكن عدالة الحياة أن نفقد من نحبّ بطرفة عين.
بلغت ياسمين العشرين سنّاً، التحقت بكلية الحقوق في جامعة أنقرة، كانت هاوية للروايات الغرامية، وفي حضن بيتها مكتبة قديمة تجتذب كل ألوان التاريخ، والجغرافيا، والقانون، والسينما.
وفي ليلة حالكة، ممزوجة بالثلج، فُقدت ياسمين، ودبّ الرعب بيت أهلها، لم تعتد الغياب هكذا طويلاً، ملتزمة بالصلاة، ولا تتنازل عن فطيرتها وكوب الشاي المعدّ من أنامل والدتها.
وعمّ خبر فقدان ياسمين، ياسمين ذهبت، وذهب الأمل، حبّ الحياة، ودفئ الشتاء، وموطئ العشق، كل شيء غادر، حارتك يا ياسمين فقدتك، أطفال الروضة اشتاقوا لحديثك الصباحيّ معهم، وتلك العجوز التي تحدثيها عن رسائل ابنها فقدتك.
هنا جلس ذلك العجوز على قارعة الطريق، وأكمل حديثه بشهقات بكاءٍ لم أستطع تحملّها.
-    جاءنا الخبر أن هناك جثة لفتاة في العشرينيات بعد اختفائها بشهر كامل، ذهبت والطريق تتدحرج بي، أذكر أن عينيّ من شدة الخوف توقفن عن الرؤية، ووصلت إلى ذاك المكان..وصلت
-    وهل كانت الجثة لياسمين ؟
-    لقد اغتصبوها يا ابنتي، ثلاثة أو أربعة لا أذكر كم تحدث الشرطيّ؟، لقد كانت كدمات، كلها كدمات، لكنّني تعرفت عليها من قلادة أمي التي وهبتها إياها.
-    رحمها الله يا عمّي، وقذف في قلبك كل الصبر، ومن بعد ياسمين لم تنجب؟
-    ياسمين ملأت حياتي بعشرين عاماً، ولا أريد لقلبي أن ينزف دمعاً من جديد، يكفيني عصارة ألم واحدة.
-    ألا تدرك أن هذه أنانية؟
-    إياك والحب يا ابنتي، ابتعدي عن الرجال، العشق ولد كبيراً، وحياتنا ملأى بالقاذفين ضميرهم إلى الهاوية، إلى ملقى جهنّم وبئس المصير، عبأي قلبك بالله، أحبي الله.
-    دموعك اغرورقت عينيك يا عمي، كان الله بعونك.
وتركته يعاصر ألمه بإعادة ترتيب تلك الروايات التي احتضنتها ياسمين في كتبتها، يا لقدرك الباهت !، لما لم تمنحك الحياة بعضاً من السعادة؟، لو قدّر لك البقاء لكنتِ محامية، أو من يدري قاضية؟، وهل للقضاء أو القانون أن يعيد حق ياسمين بعد اغتصابها من طرف أربعة؟، أتدري يا ياسمين لو كنت على علم بما سيجري لك لما عشقت القانون !، لا أظن أن قانوناً عادلاً موجود في الحقيقة على أرض هذا الواقع.
 وأكملت سيري في برد قارص إلى الجهة المحاذية، يا للهول كيف له أن يبسط فراشاً ويبيع فلذة أكباده للمارّة، وهل للجوع أن يغيب الضمير عنه؟.
-    اللي بده يشتري، يلا يلا
واستوقفني المشهد متأملة إياه بنظرات ازدراء واحتقار، ردّها لي باستفزاز مطالباً إيّاي بإكمال طريقي دون الهمس ببنت شفة.
 آه يا عمي العجوز، لقد استنزفت دموعك ياسمين، وهذا الرجل المتكئ على طفله الصغير ينادي عالياً دون الشعور بأنه يرتكب خطأ على الأقل وكأن صنعه يستحق المديح، يا لبشاعة هذه الحياة !، تسرق فرحة من محتاج، وتعطي مكنون السعادة لمن لا يستحقون.  
كم لطفل صغير جال الطرقات بحثاً عن لقمة عيش، وعاد فارغ الجيب منتظراً عقاباً وبئس المصير!، براءتكم نكّست بداء الفقر أيها الصغار، كم للبرد أن يجتاح من قلوبكم؟، وكم لأعاصير الريح أن تجرف بطموحكم بعيداً، اسرقوا أحلامكم المستنزفة من بائع حلوى، وامكثوا ليوم يستيقظ الضمير معلناً صحوة من جديد...من جديد.