رحلة...في بقايا وطن

الثلاثاء 09 يونيو 2015

رحلة...في بقايا وطن
التفاصيل بالاسفل

تذكرتُ طفولتي في أيام المدرسة عندما كنا ننتظر الحافلة في رحلة ترفيهية، نفارق فيها مقاعد الدراسة ونكسر الروتين لكي نلهو ونغني ونلعب، فما طال الانتظار حتى جاءت الحافلة ووجدتنا بكل براءة نصفق.

صعدنا للحافلة وفي مخيلتنا الكثير الكثير من الأمنيات، وتحركت عجلاتها تسابق الزمن من مدينة طولكرم إلى خليل الرحمن، ومررنا بحاجز عناب وكلنا تخوّف من أن تتحول الفرحة إلى غُصّة؛ فلو وجد الجندي هناك لأوقف حركة السير على الحاجز الواصل بين محافظتي طولكرم ونابلس ولكن لحسن الحظ كان الحاجز فارغًا من الجنود.

لو نظرتَ الى جبال فلسطين لرأيت الجمال الأخّاذ، لكن ما أن نقّلتَ نظرك لقممها لشاهدتَ المستوطنات كيف تنهش تلك المرتفعات وتطوقها لتقول ها هي ارضنا ارض الميعاد.

يتعب اللسان ويتوقف الجَنان عن النبض ونحن نقرأ الكثير من أسماء المستوطنات في طريق رحلتنا أمثال شيلو، عيلي، براخا، معالي لبونا، بيت شيمش،افني حيفتس، آلون شفوت؛ أسماء غريبة لسكان غرباء صاروا يتصرفون وكأنهم أصحاب المكان.

لافتة كبيرة تلفت النظر أكثر من غيرها مكتوب عليها أورشليم القدس، وسهمٌ يحددّ الإتجاه نحوها، أيعقل أن نراها ولا نستطيع دخول عاصمتنا إلا بتصريح مع صعوبة الحصول عليه؟

وما أن وصلتَ طريق الخليل حتى ترى يافطات كتب عليها كريات أربع –تضم أكثر المستوطنين تطرفًا-، ومعاليه أدوميم الممتدة ما بين مدن بيت لحم والقدس وأريحا لتحتل المركز الأول كأكبر مستوطنة في أراضي الدولة الفلسطينية وأول مدينة "اسرائيلية" داخل الضفة الغربية، وقدر عدد سكانها قبل مجيء السلطة أي عام 1993 بخمسين ألف مستوطن، ونحن الآن في عام 2015 ترى كم وصل عدد سكانها؟

وفي داخل الحافلة ترى بلادك التي تسكن فيها وكأنك تشاهدها للمرة الأولى، وأنت تتّنقل إلى محافظتي بيت لحم والخليل ولأن المسافة قريبة بينهما ترى جبلًا وعليه بنايات ضخمة، تفرح وتسأل هل هذه البنايات فلسطينية؟

لكن تتذكر أنك قرأت مرة أنه وفي طريقك إلى المدن التي ذُكرَت قبل قليل ان الجبل الذي يصادفك هو أبو غنيم الذي يضم مستوطنة هارحوما والتي تتسع لخمسة وعشرين الف مستوطن –علمًا أن ذلك كان عام 1995-، ارتبط بناؤها بسياسة اسرائيل في تطويق القدس بحزام استيطانيّ، ويعود التخطيط لبنائها إلى أواخر الثمانينيات بغية إكمال الطوق التهويديّ بشكل كامل حول القدس، والفصل بين الأحياء العربية في صور باهر وأم طوبا، وبين مدينتي بيت لحم وبيت ساحور.

تزور الخليل للصلاة لله الواحد، ولكن يضيع معظم الوقت في الاجراءات "الاسرائيلية" المشددة ما بين التفتيش والسير من خلال الابواب المتحركة –يطلق عليها الفلسطينيون المعاطات- ففي أي شريعة أو قانون يُلزم بأخذ إذن بالصلاة في مقدساتنا من قوات الجيش ؟

وإذا ما ضلّ الفلسطيني في الطريق تسمع صياح الجنود والمجندات المدججين بالسلاح والهراوات، ويثير دهشتك نقاشهم باللغة العبرية غير المفهومة لبعضنا أو العربية الركيكة.

بعد تجاوز كل تلك العقبات تكحلت عيوننا برؤية الحرم الابراهيمي الشريف وكيف ارتقى الشهداء في صلاة الفجر على يد المتطرف غولدشتاين والذي تم تقسيمه بين الفلسطينيين واليهود على إثر تلك المذبحة، لترى مقامات لسيدنا ابراهيم وزوجته سارة وإسحاق وزوجته رفقة عليهم السلام، وتتميز تلك المقامات بحجمها الضخم وتأخذك المهابة وتنتابك القشعريرة وأنت تنظر إليها.

 ويمتاز الحرم ببنائه الشاهق وحجارته الضخمة وقبابه العالية لتتذكر عظمة من أبدع بناءه وهم الكنعانيون، ورغم هذا يّسمي اليهود الجزء المخصص لهم من الحرم بمغارة الماكفيلا.

أثناء الأعياد اليهودية يُمنع الفلسطينيون من دخول الحرم المخصص لهم، ويصبح كل البناء تحت تصرف اليهود؛ حيث تتضمن طقوسهم شرب الخمور في الداخل وإحضار الكلاب البوليسية والرقص والغناء، مما يضطر سدنة الحرم إلى تنظيف المكان مما علق به من قذارات.

استقرت الحافلة في ساحة كنيسة المهد في مدينة المسيح (بيت لحم)؛ تنظر يمينًا ترى المسيح المصلوب، توجه النظر يسارًا فتشاهد السيدة العذراء -كما يدّعون-، لكن ما التفت جانبًا تجد الوفود الاجنبية تتوافد للكنيسة.

ما أن تدخلها حتى تشعر برهبة هناك وتنظر للزخارف فتنبهر من ضخامة البناء وروعة المكان، يصلون هناك ويؤدون طقوسهم، تارة يلتقطون صورا وتارة يستمعون الى مرشدهم السياحي ليعطيهم تعليمات الدخول.

للناس أوطان يعيشون فيها إلا أننا كفلسطينيين لنا وطن يعيش فينا، ما ان تجولت بناظريك في حدود الوطن تبهرك الجبال بما فيها من أشجار وتراب وجدران استنادية، ولكنّك تشعر بغصّة ترفع الضغط لديك عندما ترى منظرًا نشازًا يجعل الصورة سوداء امامك، مستوطنات تقضم الأرض وتغير شكلها وانسجامها وغرباء يضايقون الشجر والبشر والحجر، فكم من شجرة قد أعدموا وكثيرًا من المحاصيل قد أحرقوا.