"الالتزامات التعاقدية في ظل انتشار فيروس كورونا"

الأربعاء 25 مارس 2020

"الالتزامات التعاقدية في ظل انتشار فيروس كورونا"
التفاصيل بالاسفل

بقدر ما اصبحت جائحة فيروس كوفيد 19 المستجد "كورونا" تشكل تهديداً خطيراً في مختلف نواحي العالم، فقد أثرت وبشكل كبير على سائر العلاقات والالتزامات بين أطراف المجتمع سواء بين الدولة والمجتمع أو بين الافراد أنفسهم، الأمر الذي يستوجب الوقوف على الحفاظ على سلامة وحماية أفراد المجتمع كافة، مما دفع غالبية دول العالم لإعلان حالة الطوارئ في البلاد، لا سيما اعتراف منظمة الصحة العالمية أن هذا الفيروس يشكل وباءً عالمياً، وتبعاً لذلك عانت سائر مناحي الحياة منها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية وحتى النفسية، وبدأت تظهر ملامح الكساد في الاقتصاد العالمي والمحلي وخصوصاً في دولة فلسطين، وبتاريخ 05/03/2020 تم إصدار مرسوم رئاسي وفقاً لمقتضيات المادة 110 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 وتعديلاته يقضي بإعلان حالة الطوارئ في جميع الأراضي الفلسطينية لمدة 30 يوماً من تاريخه لمواجهة خطر فيروس كوفيد 19 المستجد "كورونا" ومنع تفشيه، وتبعه العديد من القرارات والاجراءات الوقائية المشددة، وهنا نشيد بقرارات الدولة في اتخاذ الاجراءات الوقائية لمنع تفشي هذا الوباء العالمي في فلسطين، وحفاظاً على أمن وسلامة أفراد المجتمع كافةً،

وفي الحقيقة يستلزم الأمر حتماً حماية حقوق الأفراد في المجتمع والتي تعتبر ذي قيمة عالية أيضاً للفرد وهي الحقوق الاقتصادية لشتى أفراد المجتمع الفلسطيني، وكذلك الأمر بالنسبة للشركات العاملة في فلسطين، حيث دفعت العديد من المنشآت الصغيرة والشركات الكبرى الى وقف نشاطها الاقتصادي إما بشكل كامل أو بشكل جزئي، ليصبح النقاش دولياً ومحلياً حول آثار انتشار فيروس كوفيد 19 المستجد "كورونا" على العلاقات والمعاملات المدنية والتجارية والالتزامات المالية وعقود العمل والالتزامات الضريبية، مما أثار العديد من الإشكالات ذات الابعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

مما لا شك فيه أن فكرة "العقد شريعة المتعاقدين" تنبني على ثلاث أسس: أولها قانوني قوامه مبدأ سلطان الإرادة، وثانيها أخلاقي يتمثل في احترام العهود والمواثيق، وثالثها ذو طابع اجتماعي واقتصادي يترجمه وجوب استقرار المعاملات. وفي هذا السياق تطرح كثيراً من التساؤلات حول مصير العلاقات المدنية والتجارية بين الاشخاص الطبيعيين والمعنويين والتي ترتب التزامات وحقوق لمختلف أطراف العلاقة التعاقدية، ومدى القدرة على تنفيذها بالوجه المتفق عليه، وحول الأثر القانوني المترتب على عدم تنفيذ هذه الالتزامات بسبب انتشار فايروس كوفيد 19 المستجد "كورونا" والذي يعتبر من صور القوة القاهرة التي تمنع المتعاقد عن الوفاء بالتزامه العقدي حيث تتصدع هذه الروابط نتيجة ركود يصيب بعض القطاعات الاستثمارية مما يجعل من المستحيل أو على الأقل من الصعب تنفيذ بعض الالتزامات أو يؤخر تنفيذها نظراً لطبيعة الظروف والاجراءات الوقائية التي أعلنتها الجهات الرسمية المختصة. ذلك أن الأوبئة الصحية واقعة مادية صرفة تكون لها آثار سلبية واضحة يمكن رصد ملامحها على العلاقات القانونية بوجه عام والعلاقات التعاقدية على وجه الخصوص.

ومن هنا، تبنى الفكر القانوني والاجتهاد القضائي عبر العالم آليتان تعتبران من الوسائل الحمائية للمدينين الذين يصبحون مهددين بالإفلاس أو على الأقل أصبحت ذمتهم المالية مصابة بتصدع خطير، هاتان الآليتان هما نظريتا القوة القاهرة والظروف الطارئة التي ترميان إلى علاج الحالات التي يصير فيها الالتزام التعاقدي مستحيل التنفيذ (القوة القاهرة) أو صعب التنفيذ (الظروف الطارئة) وهما في الأصل يعدان تطبيقا لمبدأ أخلاقي عام مفاده أنه لا تكليف بمستحيل أو لا تكليف بما يتجاوز الطاقة العادية للإنسان.

وهنا لا بد أن نقوم بمحاولة تطبيق الوقائع المادية المنتجة للالتزامات التعاقدية على الوضع الحالي للبلاد الذي شلت فيه الحركة الاقتصادية بشكل كبير جداً، ويتطلب منا ذلك أن نشير الى تعريف القوة القاهرة،

حيث أن المشرع المغربي قد عرفها في الفصل 269 من مدونة الالتزامات والعقود ظهير 19 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) والتي نصت على أن: "القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد)، وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة الأمر الذي كان من الممكن دفعه، ما لم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه"، من خلال النص السابق نستنج ان شروط القوة القاهرة ثلاثة: عدم التوقع، استحالة الدفع، عدم صدور خطأ من المدين المتمسك بالقوة القاهرة،

وقد بين مجلس القضاء الاعلى التونسي بالمذكرة الصادرة عنه في 15 مارس 2020 أن الوضع الصحي الاستثنائي الذي تمر به البلاد نتيجة انتشار فيروس كوفيد 19 المستجد "كورونا" يدعو الى اتخاذ بعض التدابير وكان أولها بالمذكرة: "اعتبار الوضع الصحي العام الذي تمر به البلاد هو من قبيل القوة القاهرة".

وفي هذا الاطار قد ذكر المشرع المصري في المادة 165 من القانون المدني المصري  أن: "الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك".

وهنا ذهب المشرع الفلسطيني الى محاولة سد الفراغ التشريعي بهذا الخصوص وذلك من خلال النص على عدم تحمل المتعاقد الاضرار الناتجة عن عدم الالتزام بتنفيذ العقد و/أو أحد بنوده وذلك في القانون رقم لسنة  6 لسنة 1999 بشأن العطاءات للأشغال الحكومية في المادة 34 منه على أنه: "لا يتحمل المتعاقد الأضرار المترتبة على التأخير في تنفيذ العقد أو عدم الوفاء به إذا كان التأخير أو عدم الوفاء بسبب القوة القاهرة. في كل الأحوال عند وجود قوة قاهرة على المتعاقد تقديم إشعار خطي وفوري إلى الجهة المتعاقدة بالظروف والأسباب التي تمنع تنفيذ العقد أو التأخير في الوفاء به وتقديم كل ما يثبت ذلك. تكون القوة القاهرة المؤقتة من مبررات التأخير ويجب الوفاء بعد زوالها، وتكون القوة القاهرة الدائمة من مبررات عدم الوفاء".

وقد حذا المشرع الاردني حذو المشرع المصري حيث نص في المادة 247 من القانون المدني الاردني رقم 43 لسنة 1976 على أنه: "في العقود الملزمة للجانبين اذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً انقضى معه الالتزام المقابل له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه، فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل من العقد".

وهنا تجدر الاشارة الى أن الاستحالة في تنفيذ الالتزام يجب أن تكون بسبب القوة القاهرة والسبب الاجنبي الذي يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً إما كلياً أو جزئياً، وفي هذا السياق قضت محكمة التمييز الاردنية في التمييز حقوق رقم 461/85 صفحة 1326 سنة 1987 أن الاعفاء من تنفيذ الالتزام يعتمد على ثبوت عناصر القوة القاهرة وهي أن تكون الواقعة التي يتمسك بها المدين لا يد له فيها ولا يمكن أن يتوقعها ويستحيل التنفيذ بسببها.

وما كان على سلطة النقد الفلسطينية الا البدء بأولى الخطوات من أجل الحفاظ على حقوق الافراد، وذلك من خلال إصدار التعليمات رقم 4 لسنة 2020 والتي جاء أبرز ما فيها "الايعاز للبنوك العاملة في فلسطين بتأجيل الاقساط الشهرية لكافة المقترضين أربعة أشهر ومنعت البنوك استيفاء أي عمولات أو فوائد أو مستحقات على الاقساط المؤجلة" حيث في ذلك تأكيد لأن الالتزامات التعاقدية ترتفع عن صاحبها في الجائحة التي تمر بها البلاد،

وبالنتيجة يمكننا أن نستخلص أن انتشار وباء كواقعة مادية قد تكون دليلاً على القوة القاهرة كلما كان لها تأثير مباشر على عدم تنفيذ الالتزام التعاقدي من طرف المدين إذا ما توافر لها الشروط التي ذكرناها أعلاه، فالقوة القاهرة لم تعد محصورة على وقائع محددة دون غيرها فكل واقعة تحققت بشأنها الشروط وجعلت التنفيذ مستحيلاً فيجب أن تعد من حالات القوة القاهرة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ان المسؤولية العقدية قد ترتفع عن صاحبها إذا ما تمسك بأحد الأسباب الأجنبية عنه والتي تمثل في جوهرها جميع الظروف والوقائع المادية والقانونية التي يمكن للمدعى عليه في دعوى المسؤولية المدنية أن يستند إليها لكي يثبت أن الضرر لا ينسب إليه ولا دخل له فيه وإنما هو نتيجة حتمية لذلك السبب، وتمثل القوة القاهرة أهم صور هذا السبب الأجنبي، وأن علاقة السببية تقتضي إثبات السبب الاجنبي حتى يمكن القول بانعدام علاقة السببية بين الفعل والنتيجة، ويقع عبء إثبات القوة القاهرة على المدين أو المدعى عليه في دعوى المسؤولية العقدية، وبخصوص حالة الطوارئ السارية في هذه الأيام فإنها تعتبر سبباً كافياَ لانعدام علاقة السببية بين الفعل والنتيجة.

أي أنه اذا طرأت عند تنفيذ الالتزام ظروف لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد وكان من شأنها أن تؤثر على حقوق الطرفين وواجباتهما بحيث تخل بتوازن العقد اخلالاً خطيراً وتجعل التنفيذ مرهقاً لدرجة لم يتوقعها بحال من الأحوال بحيث تهدد الملتزم بالخسارة الفادحة جاز للمحكمة ان ترد الالتزام المرهق الى الحد المعقول اذا اقتضت العدالة، وأن أثر القوة القاهرة لا يعفي من تنفيذ الالتزام مطلقاً بل وقف تنفيذه حتى يزول السبب الأجنبي، فيبقى الالتزام موقوفاً على أن يعود واجب التنفيذ بعد زوال السبب، وأيضاً يجوز لطرفي العلاقة التعاقدية أن يعدلا باتفاقهما من أثر القوة القاهرة .