لمتابعة أهم الأخبار أولاً بأول تابعوا قناتنا على تيليجرام ( فجر نيوز )

انضم الآن

ناقصنا حكي!



ثقافة الخطابة في الحالة الفلسطينية

في كثير من المناسبات، من خطب الجمعة إلى الزيارات واللقاءات والمؤتمرات والاحتفالات الرسمية والاجتماعية، تُلاحظ ظاهرة متكررة: خطب طويلة، وكلماتٌ متشابهة، ومقدماتٌ لا تنتهي. وكثيراً ما تتحول الزيارات واللقاءات التي خُصصت لتحقيق غاية محددة إلى سلسلة من الكلمات الترحيبية والمداخلات المتكررة، حتى يستهلك الحديث معظم الوقت المتاح، ويضيع الهدف الذي خُصص اللقاء من أجله. ويغادر الحضور وهم يتذكرون طول الكلمات أكثر مما يتذكرون الغاية التي اجتمعوا من أجلها. والمشكلة هنا ليست في البلاغة؛ فالشعب الفلسطيني كان عبر تاريخه يقدّر الكلمة والخطابة والشعر. وقد لعبت الخطابة دوراً مهماً في التعبير عن الهمّ الوطني وحشد الطاقات المجتمعية، غير أن قيمتها تبقى مرتبطة بما تحمله من معنى وما تُحدثه من أثر.

تبدأ المشكلة عندما تتحول الكلمة من وسيلة للتواصل والتأثير إلى غاية في حد ذاتها. وربما تعكس هذه الظاهرة خلفية ثقافية؛ فالمجتمعات التي تعاني من محدودية القدرة على التأثير في الواقع تميل أحياناً إلى التعويض عن ذلك بالإفراط في الخطاب. كما أن الإطالة ترتبط بثقافة المجاملة الاجتماعية، فالمتحدث يشعر أنه مطالب بذكر الجميع والإشادة بهم، خشية أن يُفهم الاختصار على أنه تجاهل. وقد تتحول هذه الأساليب إلى وسيلة للابتعاد عن جوهر الموضوع؛ فكلما كانت القضية أكثر حساسية، ازداد الميل إلى الشعارات والعبارات الإنشائية، حتى يمر الوقت دون الاقتراب من الأسئلة الحقيقية. وفي بعض الأحيان، يُستدعى الماضي، بما يحمله من أمجاد ورموز وسرديات، لا بوصفه مصدراً للإلهام، بل بديلاً عن إنتاج معنى يتصل بتحديات الحاضر.  ولا يقتصر الأمر على مضمون الخطاب، بل يمتد أحياناً إلى طريقة تقديمه، من خلال المبالغة في رفع الصوت، حتى بوجود مكبرات الصوت، وكأن قوة الرسالة تُقاس بارتفاع النبرة لا بوضوح الفكرة. في بعض الفعاليات، يطغى الشحن العاطفي والأناشيد الحماسية على الحديث الموضوعي، فينقلب التركيز من معالجة القضايا إلى إثارة العواطف، بما قد يعكس حالةً من الانفصام بين الخطاب والممارسة.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على طول الكلمات، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته “التزاحم على المنصة”. فيتحول اعتلاء المنصة إلى إعلان عن المكانة والنفوذ. وقد يشعر البعض بأن عدم منحه فرصة لإلقاء كلمة يُعد انتقاصاً من مكانته، بل قد يصل به الأمر أحياناً إلى مقاطعة اللقاء إذا لم يُدرج اسمه ضمن المتحدثين. وتكشف هذه الظاهرة عن بُعد ثقافي آخر يتمثل في ربط التأثير بالظهور. فبدلاً من أن تُقاس المكانة بما يتركه الفرد من أثر، تصبح المنصة والميكروفون وسيلةً للحصول على اعترافٍ رمزي من الجماعة.

ومن مظاهر هذه الثقافة أيضاً الاعتقاد بأن لكل حاضر حقاً في الحديث، حتى لو كان ما سيقوله تكراراً لما قيل قبله. وبطبيعة الحال، قد يكون ذلك مفيداً في الحوارات المفتوحة، لكن تكرار الأفكار هنا يستنزف وقت الحضور ويشتت الانتباه عن الرسالة الأساسية. فبدلاً من أن يكون السؤال: “هل لدي ما أضيفه؟”، يصبح السؤال: “هل أُعطيت فرصة للكلام؟”، فتزداد المداخلات ويتراجع المحتوى.

إن الاختصار فضيلة، والإصغاء قيمة معرفية، أما الإطالة فليست دليلاً على عمق المعنى، كما أن كثرة الكلام ليست دليلاً على أهمية المتكلم. فثقافة الاختصار في جوهرها احترامٌ لوقت الناس وعقولهم. ففي زمن الذكاء الاصطناعي، تزداد الحاجة إلى التعبير بوضوح واختصار، وهي قدرة تُعد من علامات النضج الحضاري؛ فالأمم لا تتقدم بطول الخطب التي تُلقى، بل بعمق المعاني التي تصنع الوعي بعد انقضاء الكلمات.

“سنكون يوماً ما نريد…”
“لا الرحلة ابتدأت… ولا الدرب انتهى.”
— محمود درويش

بقلم: حسين حجاز

الرابط المختصر:

مقالات ذات صلة