مصدر التسلية واجتماع العائلات… ماذا شكلت الإذاعات قديمًا للفلسطينيين؟

    تلفزيون الفجر- أحمد فرح- “هنا إذاعة الجمهورية العربية السورية من دمشق”، “هنا لندن.. بي بي سي”، “صوت العرب ينادي أمة العرب من قلب العروبة النابض من القاهرة”، أصواتٌ صدحت من إذاعاتٍ عربية يتذكرها كل من عايش فترة خمسينيات وستينيات القرن الماضي حينما بدأ انتشار الإذاعات العربية في الأراضي الفلسطينية.

     جهازٌ كبير الحجم يشغل حيزًا واسعًا ويُمَد له سلك هوائي (أنتين) حتى يلتقط الموجات الإذاعية، هكذا كان الراديو في أوائل انتشاره، ولم يمتلكه في البداية إلّا الأثرياء من القوم ولم يكن في كل بلدة سوى أجهزة معدودة تعمل من خلال البطاريات، بعد ذلك بسنوات ومع وصول الكهرباء إلى البلدات الفلسطينية انخفض ثمنه وأصبحَ امتلاكه أمرًا ميسورًا لعامة الناس.

     من على عربته المحملة بالخضار وسط مدينة طولكرم يقول زهير عدوان إن الناس كانت تحب سماع نشرات الأخبار من هذه الإذاعات، كما كانت تجتمع العائلات لتسمع المسلسلات الإذاعية وخاصة الرمضانية منها، ويذكر مسلسل ألف ليلة وليلة الذي استمعت له الشعوب العربية بأسرها في ذلك الوقت.

     يقول محمد قعدان (72 عامًا) إن لا شيء من شاشات التلفزة يستطيع أن يغنيه عن سماع الراديو الذي يشكل بالنسبة لديه المصدر الرئيس لسماع الأخبار حتى يومنا هذا، ويضيف أن الناس كانت قديمًا تجتمع لسماع الراديو الأمر الذي كان يزيد من الترابط الاجتماعي بينهم، ويشير إلى التجمعات الكبيرة التي كانت تحصل في المقاهي لسماع خطابات جمال عبد الناصر على الإذاعة.

    صوت القارئ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ محمد رفعت وهم يرتلون القرآن من الذكريات العزيزة على مستمعي الراديو قديمًا، كما غزت الإذاعات العربية أغاني المطربين في ذلك الوقت أمثال: أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش الذي اشتهرت أغنيته “فوق أرضي لن تمروا… وبها لن تستقروا… إن للباطل جولة..”، ويذكر زهير عدوان الأنشودة الوطنية التي رددوها في صغرهم “وطني حبيبي الوطن الأكبر… يوم ورا يوم أمجاده بتكبر”.

     لا تُذكر الإذاعات قديمًا إلا ويستذكر الفلسطينيون معها نكسة حزيران سنة 1967 حيث كانت الإذاعات تنقل إلى الجماهير العربية أخبار تقدم للجيوش العربية على جميع الجبهات، وتحطيم لطائرات العدو ومقاتلاته، وتبث أناشيد ثورية ووطنية تبشر اللاجئين بقرب العودة إلى ديارهم، ليتبين بعدها زيف هذه الأخبار وأن الحقيقة كانت عكس ذلك وهي سيطرة الاحتلال على صحراء سيناء، والجولان السوري، والضفة الغربية وقطاع غزة، ليتشكل بعدها خيبة أمل كبيرة في الأوساط العربية، وانخفضت بعدها الثقة بتلك الإذاعات، وأشارت مسرحية “ضيعة تشرين” السورية بطريقةٍ ساخرة إلى الحال الذي كانت عليه الإذاعات في ذلك الوقت.

     شكلت الإذاعات حلقة تواصل بين الفلسطينيين الذين تقطعت بهم السُبل، وساهمت في جمع شمل بعض العائلات الذين عرفوا مصير أبنائهم عن طريقها وعن طريق إهداءات السلام التي كان يطلقها الفرد عبر الإذاعة لتصل إلى ذويه، كما لعبت دور كبير في تغطية الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

     من جهازٍ ضخم باهظ الثمن تحول الراديو في عصرنا إلى جهازٍ قد يرافقك في سيارتك، أو تحمله في جيبك على جهازك الخَلَوي، وأصبح من الممكن لأي شخص أن يطلق إذاعة إلكترونية من هاتفه الشخصي، وتراجع الاهتمام بالإذاعة في عصرنا الحالي مع تطور وسائل التواصل ومنصات البث المتعددة، والانتقال إلى البث الرقمي، على الرغم من أهميتها في إيصال الأفكار ونقل الصورة السمعية بوحي خيالي يتركز في الأذهان.

الرابط المختصر:

مقالات ذات صلة