نحو مقاربة جديدة لمعاداة الفلسطنة



في كلمة لوزير الجيش الاسرائيلي في مؤتمر الأمن في ميونيخ، تحدث عن كيان فلسطيني وليس دولة كاملة. أما “لابيد” وزير خارجية حكومة الاحتلال فهو يؤكد صراحةً في كل خطاباته على عدم الإمكانية بتاتاً لقيام دولة فلسطينية. وبنفس المنطق، يتحدث “بينيت” رئيس الحكومة الاسرائيلية هو “غانتس” وزير جيشه عن السلام الاقتصادي وليس السلام العادل القائم على قرارات الشرعية الدولية. وفي إتجاه متواز، فإن دولة الإحتلال تستمر في أعمالها المفضية الى مصادرة أراضي الفلسطينيين وتهويد القدس وبناء المستوطنات، وكأنما الكيان الفلسطيني الذي يتحدث عنه “بينيت” يفسر بأنه حالة فريدة في القانون الدولي؛ كيان له هوية فلسطينية وسيادة إسرائيلية، مغلفة في إطار نظام أبرتهايد محكم.
وفي الوقت، الذي تنبه العالم أجمع لخطورة هذه المعادلة الاسرائيلية على الأمن والسلم والدوليين، وكذلك على منظومة القيم الدولية التي ترسخ العمل بها منذ معاهدة “ويست فاليا” عام 1648م. فإن الجماعات الصهيونية المؤيدة لإسرائيل والمنتشرة في معظم البلدان تمارس حملات عنصرية مضادة للحقوق الفلسطينية، وتتهم في حملاتها كل ما يؤيد هذا الحق بمعاداة السامية، بما فيها الإتهام الأخير لمنظمة العفو الدولية بمعادة السامية بعدما صدر تقريرها في فبراير الجاري الذي أدان اسرائيل بإعتبارها دولة أبرتهايد. وفي إتجاه متصاعد وعنصري في آن الوقت، نجد إسرائيل والجماعات الضاغطة الموالية لها تتهم الفلسطينيين بالإرهاب وتتنكر لحقهم العرفي والقانوني في مقاومة الإحتلال. إضافة إلى ذلك، فإن هذه المنظمات تسعى إلى غستبدال مفهوم معاداة السامية من سياسة “التمييز ضد اليهود” الى سياسة “معادة إسرائيل”، وقد نجحت هذه المنظمات بإستخدام هذا المفهوم الجديدة لمعاداة السامية بقمع عشرات السياسيين والمفكرين والفنانيين وغيرهم من المقاطعين لاسرائيل والمؤيدين لحقوق الفلسطينيين.
في هذا السياق، على الفلسطينيين أن يواجهوا هذا المد المتنامي لمعادة الفلسطينيين ولرفض حقوقهم الثابتة وفقاً للقانون الدولي. وأقترح في هذا الصدد تطوير مفهوم مضاد لمعاداة السامية، وهو
“معاداة الفلسطنة”. ويتضمن هذا المفهوم جميع الأعمال والتصريحات من الحكومات والأفراد التي تنطوي على التمييز ضد الفلسطينيين أو كرهم أو إتهامهم بالإرهاب، أو إنكار حقوقهم السياسية والإقتصادية والثقافية. ويمكن في هذا الإطار، فرز بعض المؤشرات التي تحتوي على مضامين “معاداة الفلسطنة”، ومنها:
1- إنكار حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وحق عودة لاجئيه.
2- تكريس نظام الأبرتهايد الاسرائيلي أو قبوله أو نكرانه.
3- تهويد الأماكن المقدسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
4- التمييز ضد الجاليات الفلسطينية في الخارج.
5- إنكار الروابط التاريخية والثقافية والدينية والعرقية للفلسطينيين.
في الواقع، يمكن إضافة العديد من المؤشرات التي تساعد في تحديد مفهوم “معاداة الفلسطنة”، ولكن وحتى يتم ضمان شمول هذه المؤشرات وقبولها وطنياً وعربياً ودولياً، أقترح أن تقوم منظمة التحرير الفلسطينية بعقد مؤتمر وطني يشمل الأحزاب والجماعات الحقوقية والنقابية بهدف تطوير مقاربة نظرية وعملية لمفهوم معاداة الفلسطنة. ومن ثم، وبعد هذه الخطوة الضرورية يتم تطوير هذا المفهوم عربياً ودولياً من خلال دعوة الجماعات الدولية المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، والتي تقوم بدورها بوضع خطط دولية للملاحقة القانونية لكل من يثبت إدانته بمعاداة الفلسطنة، والعمل على إستصدار قرارات من البرلمانات العربية والدولية المختلفة تمنع أي سلوك سياسي يندرج ضمن مؤشرات معاداة الفلسطنة.
إن العمل على هذه المقاربة المقترحة، سيؤدي أولاً: الى مواجهة الحملة الصهيونية المعادية والمتصاعدة ضد حقوق الشعب الفلسطيني، كما أنها ثانياً: تضمن الوصول الى إطار قانوني دولي تشريعي يلاحق كل من يقوم بمعاداة الفلسطينيين وإنكار حقوقهم السياسية. وفي الحقيقة، فإن هذه المسألة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة بتاتاً، ولنبدأ بأولى الخطوات في خدمة هذا المفهوم والترويج له وطنياً وخارجياً، وذلك بأن يتم تضمينه في خطابنا السياسي والفكري، ومن ثم العمل على قبوله والتعامل معه سياسياً وقانونياً في مختلف دول العالم.

د.رمزي عودة
مدير وحدة الأبحاث في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

مقالات ذات صلة