
مراقب الدولة الإسرائيلي: فقدان السيطرة في النقب “وفلسطنة” متصاعدة
ركّز تقرير صادر عن مراقب الدولة الإسرائيلي، متنياهو أنغلمان، اليوم الثلاثاء، على وجود ما وصفه بـ”صورة مقلقة بشكل خاص” لفقدان السيطرة في منطقة النقب، مشيرًا إلى أن الحكومة حدّدت حجم المشكلة لكنها “لم تعمل بالشكل المطلوب” لمعالجتها.
واعتبر التقرير أن ما يجري هو فشل “منهجي وواسع النطاق”، يتجلى في تصاعد الجريمة في بلدات الجنوب، واستمرار الإضرار في البنى التحتية، إلى جانب إخفاقات في إنفاذ القانون وغياب جهة حكومية مركزية تقود المعالجة.
دعا مراقب الدولة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى “العمل على تحسين صورة الوضع في ملف النقب، من خلال قيادة معالجة متعددة الجهات تشمل عدة هيئات، وتعيين جهة حكومية تتولى تنسيق وتركيز الأنشطة”.
“قواعد عسكرية… وتهديدات أمنية”
وتطرّق التقرير إلى وقائع مرتبطة بمواقع عسكرية، وأشار إلى توثيق حوادث قام خلالها سكان من المجتمع العربي البدوي في النقب بتصوير مناطق محيطة بقاعدة سلاح الجو في “نيفاتيم”، وتشغيل طائرات مسيّرة داخل محيطها.

وادعى التقرير، نقلًا عن مصادر أمنية، أن غياب الإنفاذ المدني ساهم في تعاظم المخاطر الأمنية. وذكر التقرير جملة من المخاطر المرتبطة بالقاعدة ذاتها، بينها إلحاق أضرار بالسياج المحيط، وتسرب رصاص إلى داخلها نتيجة إطلاق نار في المنطقة.
وأشار إلى إصابة جناح طائرة في إحدى الحوادث، وإلى تمكن أشخاص من الاقتراب من القاعدة والتجسس عليها. وفي إحدى القضايا، قُدمت لائحة اتهام ضد امرأة من عربية من النقب بزعم تجسسها لصالح إيران وجمع معلومات عن القاعدة
وفي الجانب الاقتصادي، أشار التقرير إلى أضرار واسعة بالبنى التحتية، شملت وصلات غير قانونية للكهرباء والمياه، والتلاعب بالعدادات، وتخريب متكرر للشبكات. وادعى أن الأضرار لم تقتصر على خسارة الإيرادات، بل شملت تكاليف إصلاح تراكمت على مدار سنوات وبلغت مليارات الشواكل.
كما لفت إلى تراجع قدرة الدولة على جباية الضرائب، نتيجة صعوبة تطبيق القانون في بعض المناطق، مضيفًا أن غياب الوجود الشرطي أدى إلى امتناع بعض الجهات عن العمل ميدانيًا.
وتناول التقرير أيضًا ظاهرة تعدد الزوجات، مشيرًا إلى اتساعها بنسبة 16% خلال السنوات الأخيرة، مقابل مستوى إنفاذ وصفه بالمنخفض جدًا وعدد ضئيل من لوائح الاتهام. وأضاف أن الظاهرة ارتبطت بدفع مخصصات مالية، وُصف جزء منها بـ”الوهمي”، ما ساهم بخسائر كبيرة لخزينة الدولة.
وفي خلاصة التقرير، اعتبر إنغلمان أن فقدان السيطرة في النقب “ليس ظاهرة موضعية بل فشل مستمر وواسع النطاق”، وقال إن غياب تغيير جذري في النهج الحكومي سيؤدي إلى استمرار هذا المسار.
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى ارتفاع حاد في ظواهر مثل الابتزاز وجباية الإتاوة (الخاوة)، إلى جانب تراجع الشعور بالأمن الشخصي لدى السكان. كما ادعى وجود ما وصفه بـ”تعاظم ارتباط” بين المجتمع البدوي والفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة بين الشباب، واعتبر ذلك “تهديدًا إستراتيجيًا”.

وأوضح التقرير أن هذا الفشل يرتبط بغياب جهة مركزية تنسّق الجهود الحكومية، رغم قرارات سابقة وتشكيل لجان مخصصة. وذكر أن لجنة وزارية أُنشئت عام 2023 لم تعقد أي اجتماع حتى نهاية فترة التدقيق في شباط/ فبراير 2025.
وأشار إلى أن لجنة أخرى معنية بتنظيم الاستيطان وتطوير المجتمع البدوي ركّزت على خطط “تجميع القرى غير المعترف بها”، دون معالجة مسألة “فقدان السيطرة”، لافتًا إلى أن هذه القضية “لم تُناقش في أي لجنة وزارية”.
“الخاوة وتهدد الزوجات”
وفي ما يتعلق بإنفاذ القانون، أشار التقرير إلى فجوة كبيرة بين حجم الظواهر ورد السلطات، إذ تم فتح 113 ملف تحقيق بين عامي 2022 و2024 في قضايا تعدد الزوجات، انتهى ثلاثة منها فقط بتقديم لوائح اتهام.
وأضاف أن الظاهرة تحمل تداعيات اجتماعية واسعة، بينها “أضرار اقتصادية داخل الأسرة، أضرار نفسية، صراعات عائلية، المساس بمكانة المرأة، العنف ضد النساء، المساس بالأطفال، وخلق فئات مهمشة”، مشيرًا إلى أن النساء والأطفال هم أبرز المتضررين.
وفي ملف “الخاوة”، أظهر التقرير أن الظاهرة باتت “واقعًا يوميًا”، خصوصًا في قطاع البناء، حيث أفاد 87% من المقاولين بأنهم طُلب منهم دفع أموال مقابل “حماية” غير قائمة فعليًا، فيما امتنع نحو 75% عن تقديم شكاوى خوفًا من التبعات.
وبيّن أن ذلك أدى إلى عزوف مقاولين عن المشاركة في مناقصات بناء في المنطقة، وارتفاع تكاليف المشاريع، حيث أشار نصفهم إلى زيادات تتراوح بين مئات آلاف ومليون شيكل لكل مشروع.
كما نقل التقرير عن رؤساء سلطات محلية في النقب قولهم إن السكان “تضرروا بشكل كبير”، ما دفع بعض البلديات إلى إنشاء وحدات حراسة وأنظمة مراقبة بتمويل محلي. ولفت إلى أن 42% يتجنبون الانتقال إلى النقب بسبب الجريمة، فيما يعتبر نحو 80% أن لا سيطرة حكومية على المنطقة.

وتحدث التقرير عن نقص حاد في عدد عناصر الشرطة، إذ ارتفعت نسب العجز في بعض المحطات إلى أكثر من 20%، مع نقص يتجاوز 41 شرطيًا في محطتين فقط، إضافة إلى عجز يصل إلى ربع القوة في محطات أخرى، ما “قد يضر بالقدرة العملياتية ومستوى الخدمة والشعور بالأمن”.
“‘فلسطنة‘ النقب… تهديد إستراتيجي”
وفي ما وصفه التقرير بـ”تهديد إستراتيجي”، تطرق إلى ما سماه “فلسطنة” متزايدة بين الشباب البدو، مرتبطة بعوامل اجتماعية وثقافية، بينها “الزواج، وضعف الارتباط بالمؤسسات، والتعرض للتحريض”. وادعى، نقلًا عن تقديرات أمنية، أن “أكثر من 80 ألف شخص” لديهم صلات عائلية بالضفة أو غزة.
كما نقل عن جهاز الشاباك تقديره بأن هذا المسار قد يؤدي إلى تغلّب “المكون الفلسطيني” في الهوية، وربطه بزيادة ما وصفه بالمشاركة في “أحداث عنف وإرهاب ضد دولة إسرائيل”، على حد تعبيره.
وفي ختام التقرير، أورد ردودًا رسمية، إذ قال الجيش الإسرائيلي إنه “يعمل بشكل مستمر” لمنع الأنشطة غير القانونية في مناطق التدريب، مشيرًا إلى تنفيذ دوريات وعمليات ميدانية وتعزيز التعاون مع الشرطة.
من جانبها، قالت الشرطة إنها ترى في التقرير “أداة مهمة لتحسين العمل”، مضيفة أنها نفذت خلال عام 2025 خطوات تنظيمية وعملياتية “أدت إلى تغيير ملموس وتعزيز السيطرة في النقب”.
في المقابل، رفض مكتب وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، التقرير، واعتبره “مغرضًا ومنفصلًا عن الواقع”، مدعيًا أنه يتضمن “معطيات مشوهة” ويتجاهل بيانات قُدمت للمراقب، على حد تعبيره.







