
بين القصاص والعدالة الغائبة: قراءة في مشهد اعتقال أمجد يوسف وعاطف نجيب
تستحضر السير الشعبية العربية قصص الإنس والجان والمارة الذين يظهرون فجأة من الخواتم السحرية، لكن الواقع السوري كشف عن نوع آخر من ‘المردة’ الذين لا يشبهون الأساطير في شيء. أمجد يوسف، الذي بدا في مقاطع الفيديو وسيمًا أو لطيفًا للبعض، اقترف جرائم دفعت السوريين للاستعانة بالأدب لفهم حجم الوحشية التي مارسها بحق أهله.
لقد رأى العالم أمجد يوسف وهو يقتل المدنيين السوريين بدم بارد، محولاً الموت إلى ما يشبه لهو أفلام الرعب الكوميدية أو قصص المافيا. هذا البشر الذي لم يكن مارداً بطبعه، تحول إلى وحش بفعل العصمة القضائية والسلاح والحقد المعتق الذي منحه إياه النظام لسنوات طويلة.
كان يوسف يقتل ضحاياه من المدنيين وهم معصوبو الأعين، في استعارة بشرية لعقوبة التعمية التي يظن المتألهون أنها وسيلة لإذلال خصومهم. إن مشهد اعتقاله اليوم يشبه صيد الكائنات العملاقة في الروايات الخيالية، حيث يواجه القاتل أخيراً مصيره أمام كاميرات العدالة التي غابت طويلاً.
القبض على أمجد يوسف في قريته الوادعة، وبزيه العادي دون تنكر، مثل صدمة للكثيرين الذين لم يعتادوا رؤية قادة النظام في قبضة القانون. لم يشهد السوريون محاكمات علنية حقيقية منذ عقود، مما جعل هذا المشهد يمثل لحظة فارقة في تاريخ القضاء والسياسة السورية المعاصرة.
القرآن الكريم يؤكد أن في القصاص حياة، ولكن غياب هذا القصاص في الحالة السورية أدى إلى مقتلة قل نظيرها في التاريخ الحديث. لقد اقتصر مفهوم العدالة لسنوات على مسلسلات إذاعية أو برامج تلفزيونية موجهة، بينما كان المجرمون الحقيقيون يتمتعون بحصانة كاملة خلف بدلاتهم العسكرية.
عجائب القبض على هذا القاتل بدأت من مكان اعتقاله في بيت أهله، وهو ما أثار ردود فعل متباينة بين السوريين. فبينما رأى البعض في ذلك ذراً للرماد في العيون، اعتبره آخرون بداية حقيقية لمحاسبة من ظنوا أنفسهم فوق القانون والزمن.
ردود فعل ذوي المجرم كشفت عن عمق الأزمة الأخلاقية، حيث ظنوا أن مرور السنوات كفيل بإسقاط تهم قتل وحرق عشرات الضحايا. هؤلاء المؤمنون بـ ‘الأبد الأسدي’ يرون في القاتل بطلاً يقوم بواجبه الوطني، متجاهلين الأدلة الدامغة التي وثقتها الكاميرات بلسانه ويده.
الصورة التي بثها ‘العهد الجديد’ لوزير الداخلية وهو يستجوب المجرم، حملت دلالات سينمائية تهدف لمخاطبة عواطف الثكالى والأيتام. لقد حاول المشهد تحصيل ‘الترند’ السياسي والاجتماعي عبر إظهار القاتل في موقف الضعف، وهو الذي كان يوزع الموت بابتسامة عريضة.
أما عاطف نجيب، فقد ظهر في قفص الاتهام ببدلة السجن المخططة، وهو صاحب الجملة الشهيرة التي أهانت أهالي أطفال درعا في بداية الثورة. جلوسه وديعاً كطفل حليق الرأس يمثل تحولاً جذرياً في موازين القوى، ورغبة من السلطة الجديدة في تكريس زي موحد للسجناء يعبر عن مساواة الجميع أمام القانون.
الفرحة العارمة التي اجتاحت السوريين باعتقال هؤلاء القتلة تعكس عطشاً قديماً للعدالة والإنصاف التاريخي. ورغم الانتقادات التي قد توجه لإجراءات المحاكمة ونواقصها، إلا أنها تظل ‘الزفة الشعبية’ الأولى نحو استرداد الحقوق المسلوبة منذ عقود.
الفيديوهات التي وثقت لحظة دس أمجد يوسف في السيارة وآثار الدماء على وجهه، بدت كأنها لوحات فنية تجسد لحظة السقوط من القمة إلى القاع. هذه المشاهد تعيد للأذهان محاكمات القرون الوسطى، حيث يواجه المجرم ضحاياه وجهاً لوجه في حوارات طريفة ومؤلمة في آن واحد.
النقاد الذين يطالبون بـ ‘عدالة سويسرية’ في سوريا قد يغفلون عن تعقيدات الواقع الميداني والسياسي الذي خلفه النظام السابق. إن بناء منظومة قضائية نزيهة يتطلب وقتاً، لكن البداية تكمن في كسر حاجز الخوف ووضع القتلة خلف القضبان مهما كانت الرتب التي يحملونها.
قد يحاول محامٍ ماهر تصوير أمجد يوسف كضابط مسكين غُرر به أو نفذ أوامر رؤسائه تحت الضغط، محاولاً استدرار عطف المحكمة. لكن الحقائق الموثقة والمقابر الجماعية تظل الشاهد الأكبر الذي لا يمكن طمسه ببراعة المحاماة أو تبريرات ‘الواجب الوطني’.
في الختام، تظل هذه المحاكمات، على ما قد يشوبها من عيوب، سنداً مهماً للشرعية السياسية الجديدة وشفاءً لصدور المكلومين. فلو لم يسقط النظام الذي خلق هذه الوحوش، لبقي السوريون يرسفون في عذاب مهين تحت وطأة ‘عفاريت’ السلطة التي لا ترحم.







