
ماذا يريد فادي السلامين؟
هناك أشخاص باعوا أنفسهم للشيطان، ودورهم الأساسي بث الفتن في المجتمع الفلسطيني، ومنهم فادي السلامين الذي تتغير أدوراه بتغير مشغليه.
ثمة موقع إلكتروني يسمى «الشاهد»، حال أخباره كحال مشغله، فهو يرفع شعار «الحقيقة المراد لها أن تغيب». لا هيئة تحرير معلنة، ولا عنوان، ولا اسم صاحب امتياز، ولا يعرف قارئه من يكتب فيه ولا من يموّله ولا من أين يُدار. فيه قسم دائم عنوانه «قائمة العار» تُعلَّق فيه أسماء وصور من دون محاكمة ولا حق ردّ. وعناوينه من نوع: هذا «أيقونة فساد»، وذاك «مهرّب آثار»، وهذه الجهة «تحتال» على الناس.
هذا ليس نقداً لأحد؛ النقد حقٌّ ومطلوب، وله رجاله الذين يوقّعون بأسمائهم ويتحمّلون ما يكتبون. أما مادةٌ بلا اسم تشيطن شخصاً كل يوم، وتضع عائلةً في مواجهة عائلة، ومدينةً في مواجهة جهاز، وتزرع في مجتمع محتلٍّ ومنقسم يقيناً بأن كل من حوله لصّ أو عميل، فليست صحافة ولا معارضة. اسمها في كل لغات الأرض واحد: فتنة. ومن يقف خلفها؟ سؤال لا يجيب عنه الموقع، ولا يجيب عنه أحد.
لكن هذا هو فادي السلامين، رجل يوزّع التهم من واشنطن على الجميع، ولا يقبل تهمة واحدة عليه.
هذا هو فادي السلامين الذي يصر دوماً على الظهور بثوب الواعظ، وهو ما يجعله أشبه بظاهرة تستحق الدراسة.
فحين يتحوّل شخص إلى ظاهرة، ويصبح لديه قرابة مليون متابع يقرؤون كل صباح ما يكتبه لهم من واشنطن، يصير من حق القارئ أن يعرف من هو، وما الذي يُقال عنه، ولماذا لم يجب على شيء منه.
هذا المقال لا يضيف تهمة. بل يجمع ما هو منشور أصلاً، ويضعه أمام القارئ في مكان واحد.
فربما يكون السؤال الأصعب على الرجل ليس ما قيل عنه، بل ما قيل عنه كله في صفحة واحدة.
لنبدأ من البداية.
فادي السلامين من بلدة السموع جنوب الخليل، ويقيم في واشنطن. بدأ حياته العامة كما يبدؤها كثيرون: منصة إعلامية، ووجه شاب، وخطاب عن الشفافية. أسّس موقع «Palestine Note»، وحين سُئل عن تمويله في مقابلة مع شبكة الصحفيين الدوليين أجاب بثقة: «مئة في المئة من أموالنا تبرعات خاصة من أناس يهتمون بالمنطقة».
لم يسمِّ أحداً. وموقع «الانتفاضة الإلكترونية»، وهو موقع لا يمكن اتهامه بالميل إلى السلطة الفلسطينية، خصّ المنصة بمقال عنوانه «تحويل نضال فلسطين إلى تجارة». عنوانٌ يكفي وحده، ولن نعيد ما قاله غيرنا.
هنا تبدأ الحكاية، وهنا يبدأ نمطٌ سيتكرر: مالٌ في الظل، واسمٌ في الضوء.
ثم جاء بيت القدس.
في 2014، روى أديب جودة لموقع الجزيرة الإنجليزي أن السلامين تواصل معه بعرض لشراء بيت العائلة في حارة السعدية، على بُعد 350 متراً من المسجد الأقصى.
المال، بحسب الرواية، منحة من «جهة خارجية» قيمتها مليونان ونصف مليون دولار. دُفع منها مليون ونصف عربوناً، ثم توقّف كل شيء دون أن يعرف أحد ما الذي حدث بالضبط، ولماذا فسخ عقد الشراء حسب المعلن.
وفي نيسان 2018 كانت المفاجأة، فقد انتقل البيت في يوم واحد إلى مالكَين، ثم إلى جمعية «عطيرت كوهانيم» الاستيطانية مقابل 17 مليون دولار.
الجزيرة نت نقلت عن الشيخ كمال الخطيب أن طرفين كانا «يتنافسون لإيصال العقار إلى أيدي المستوطنين»، والسلامين في أحدهما.
حسناً. لكنّ أحداً لم يعرف حتى اليوم اسم تلك المجموعة التجارية الخارجية التي مولت المشروع، ولا ماذا حلّ بالمليون ونصف المليون.
مموّلٌ يدفع الملايين لحماية بيت قرب الأقصى، ويخجل من اسمه. أيّ خيرٍ هذا الذي يُخفي صاحبه؟
وفي تلك السنوات نفسها، كان أحدهم يفتّش في أوراقه.
في أيار 2016 نشرت صحيفة «الأخبار» اللبنانية، ونقل عنها موقع دنيا الوطن، تحقيقاً قال إن ابن السموع يحمل هوية زرقاء وجواز سفر إسرائيلياً، وأنه اشترى منزلاً في أمريكا عام 2013 بنحو 739 ألف دولار، وأنه شريك لرجل أعمال يهودي أمريكي في شركة استثمار تُدعى (YCF)، وإن كان من الصعب التحقق من هذه المعلومات. لكن لاحظوا شيئاً: هذا رجل يردّ على تغريدة في دقيقة، ويهاجم رئيساً في منشور، ومرّت عليه عشر سنوات ولم نعثر له على ردٍّ منشور واحد على تحقيق يقول إنه يحمل جواز سفر إسرائيلياً. إما أن الرجل لم يقرأه، وإما أنه قرأه وفضّل الصمت. ولا ثالث لهما.
ثم بدأت التهم تنهال. من كل الجهات.
في آب 2019 أصدرت حركة فتح بياناً تهاجم فيه قناة العربية لأنها استضافته، ووصفته بأنه «شخص مشبوه»، وعدّت استضافته «سقطة أخلاقية»، وحذّر أمين سرّها في بولندا القناة من أن تصبح «منبراً لمروّجي صفقة القرن».
وبعد شهرين أغلق فيسبوك صفحته التي كان يتابعها نحو مليون شخص، ونقلت تايمز أوف إسرائيل عن مسؤول في فتح أنه «أطلق ادعاءات ملفقة كثيرة ألحقت ضرراً بالغاً بكثيرين»، وأضاف جملة تستحق التوقف: «أنا متأكد أنه لا يدير الصفحة وحده».
وفي 2021 وصفه منشور منسوب إلى كتائب شهداء الأقصى بأنه «خائن وجاسوس ومن أبرز العملاء الأمريكيين والإسرائيليين». وأعضاء في السلطة، بحسب موقع فيتو المصري، اتهموه بالعمل لصالح CIA والموساد والشاباك.
نحن لا نتبنّى تهمة من هذه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كم شخصاً في الساحة الفلسطينية اجتمع عليه خصومٌ بهذا التنوّع، من فتح إلى الحركة الإسلامية إلى الانتفاضة الإلكترونية؟
حين يتهمك الجميع، إما أنهم جميعاً مخطئون، وإما أن في الأمر ما يستحق السؤال.
وهو نفسه اختار واشنطن، لا رام الله.
فحتى حين قرّر مقاضاة بنك فلسطين، رفع دعواه عام 2016 أمام المحكمة الفدرالية في واشنطن. ردّتها المحكمة لعدم الاختصاص، وأيّدت محكمة الاستئناف الرفض في تشرين الأول 2020، وقالت إنه أضاع أحد دفوعه لأنه لم يطرحه في وقته.
وتذكر مؤسسة الحوار المفتوح الأوروبية، التي تتبنّى روايته، أن السلطة الفلسطينية فتحت ضده قضية بتهمة غسل الأموال وتهديد الأمن القومي، وتصفها المؤسسة بأنها «ملفّقة».
ملفّقة أم لا، ليس لدينا ما يحسم. لكنّ رجلاً تجمّد أمواله سلطة، وتُفتح ضده قضية غسل أموال، ويخسر دعواه أمام محكمة أمريكية، ثم يطالب الجميع بالشفافية المالية، رجلٌ يحتاج أن يبدأ بنفسه.
ثم اكتشف البيتكوين.
في نيسان 2022 وقف السلامين في مؤتمر للبيتكوين في ميامي وقال لجمهوره، بحسب ما نقلته مجلة MERIP: «إن خرجتم من هذه الجلسة بشيء واحد عن فلسطين، فأريدكم أن تستبدلوا في أذهانكم شعار “حرّروا فلسطين” بشعار “بيتكوين فلسطين”».
اقرؤوها مرة أخرى. رجلٌ من السموع يطلب من الأمريكيين أن يمحوا «حرّروا فلسطين» من أذهانهم. وبعدها بشهرين قال لمجلة «ريزن» الأمريكية إن «السلطة الفلسطينية عبء على الشعب الفلسطيني»، وإن المساعدات الأمريكية والأوروبية «تذهب في معظمها لمنفعة المسؤولين الفلسطينيين الفاسدين».
هل يريد الرجل تحرير فلسطين، أم تحرير جمهور فلسطيني من فكرة تحريرها؟ سؤالٌ نتركه لمن يتابعه.
وأخيراً، ملاحظة صغيرة: لا نعرف إن كان السلامين سيمنح هذا المقال من وقته ما منحناه نحن. لكننا نعرف أن الرجل الذي لم يجد في عشر سنوات دقيقة واحدة للردّ على «الأخبار»، سيجد على الأرجح ساعة كاملة ليكتب أن هذا المقال مدفوع الأجر. فليفعل. ثم ليخبرنا، ولو مرة، من يدفع له هو.







