
المبعوث الامريكي لدول الخليج: دافعوا عن أنفسكم.. لن نحارب نيابة عنكم
كشف تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك عن تحوّل في طبيعة العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، إذ لم تعد واشنطن تعرض نفسها بوصفها ضامنا مطلقا لأمن المنطقة، بل تدفع حلفاءها إلى تحمّل المسؤولية الرئيسية عن الدفاع عن أنفسهم، مع إبقاء الدور الأمريكي في إطار الدعم والمساندة بدلا من التدخل العسكري المباشر.
وتحمل هذه المقاربة رسالة نقدية واضحة مفادها أن عقودا من الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية لم تنتج استقلالا دفاعيا حقيقيا لدول المنطقة، بل أبقتها مرتبطة بقرار واشنطن وحساباتها الاستراتيجية.
وتكمن المفارقة في أن واشنطن، التي رسخت حضورها العسكري في المنطقة تحت عنوان حماية الحلفاء وضمان الاستقرار، تطالبهم اليوم بتحمّل مخاطر أمنية أكبر بأنفسهم، في وقت لا تزال فيه المنطقة تواجه صراعات وتوترات ترتبط، في جانب منها، بتوازنات القوى والتدخلات الدولية. وبذلك، تضع تصريحات باراك دول الخليج أمام اختبار صعب: بناء قدرة دفاعية مستقلة، أم مواصلة الاعتماد على ضمانات أمريكية باتت أكثر ارتباطا بالمصالح والحسابات السياسية لواشنطن.
وكان المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، والسفير الأمريكي لدى تركيا، توم باراك، قد دعا دول الخليج والشرق الأوسط إلى تحمّل مسؤولية أكبر عن أمنها، مؤكدا أن الولايات المتحدة تعيد النظر في دورها بوصفها ضامنا للأمن الإقليمي، وأنها لم تعد تتبنى نهج التدخل العسكري المباشر وتغيير الأنظمة، في ظل إخفاق تجاربها السابقة في المنطقة.
وقال باراك إن واشنطن تتجه إلى إعادة صياغة علاقاتها الأمنية مع دول المنطقة، بحيث تنتقل من دور يفرض الحلول ويتولى إدارة الصراعات إلى دور يقدم الدعم ويساعد الأطراف على التوصل إلى تسويات، مشددا على أن الدول الإقليمية ستكون مطالبة بالاعتماد بصورة أكبر على ترتيباتها الأمنية وتحمل المسؤولية الرئيسية عن حماية مصالحها.
وجاءت تصريحات باراك خلال مقابلة صحفية، على هامش منتدى الأمن العالمي في الدوحة، وفي سياق حديثه عن مستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، والعلاقة الأمنية بين واشنطن ودول الخليج، والتدخلات العسكرية الأمريكية السابقة.
وفي رده على سؤال بشأن الترتيبات التي تربط إمدادات النفط الخليجية بالضمانات الأمنية الأمريكية، قال باراك إن هذه المعادلة لم تنته، لكنها تمر بمرحلة انتقالية، موضحا أن واشنطن تعيد تقييم دورها، بعدما أظهرت التجارب أن فرض السيطرة على الدول ومحاولة إعادة تشكيلها بالقوة لم يحققا النتائج المرجوة.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تنوي مغادرة المنطقة، لكنها تتجه إلى مقاربة مختلفة تقوم على الحضور والمساندة بدلا من السيطرة، مستشهدا بتجارب التدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا، ومعتبرا أن محاولات تغيير الحكام والأنظمة بالقوة لم تحقق أهدافها.
وقال باراك إن الولايات المتحدة شهدت 23 تجربة لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج والقوقاز وآسيا الوسطى، وإن هذه التجارب تستدعي مراجعة جدية لسياسة التدخل العسكري، في ضوء تداعياتها وتكاليفها.
واشنطن ترفض خوض الحروب البرية نيابة عن حلفائها
وفي مؤشر على حدود الالتزام العسكري الأمريكي المباشر، استبعد باراك انخراط القوات الأمريكية في معارك برية في اليمن دعما للسعودية في حربها ضد الحوثيين، رغم تأكيده استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقديم الدعم اللوجستي الذي تحتاجه الرياض.
وقال باراك إن الرئيس ترامب كان واضحا في دعمه للسعودية، لكنه أضاف أن انخراط الولايات المتحدة في معركة برية في بلد آخر «يبدو غير مجدٍ»، في إشارة إلى رفض تولي واشنطن القتال المباشر نيابة عن حلفائها.
وشدد على ضرورة أن تتحمل الدول مسؤولية أمنها، وأن تستعيد مؤسسات الدولة دورها في المجالين الأمني والعسكري، بدلا من ترك المجال للميليشيات والجماعات المسلحة. وقال إن وجود هذه الجماعات ينبغي ألا يصبح بديلا عن مسؤولية الدولة نفسها عن أمنها.
وتعكس هذه التصريحات توجها أمريكيا نحو مطالبة الشركاء الإقليميين بتحمل العبء الأكبر في ردع التهديدات التي تواجههم، وهو ما يتقاطع مع استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026، التي تدعو الشركاء الإقليميين إلى تحمل «المسؤولية الرئيسية» عن ردع إيران والجهات المتحالفة معها.
التدخلات العسكرية لم تعد ضمانة للحل
وفي تقييمه للتدخلات الأمريكية السابقة، اعتبر باراك أن استخدام القوة العسكرية لا يضمن إنهاء الصراعات، بل قد يتحول إلى جزء من المشكلة، مشيرا إلى أن تجارب واشنطن في العراق وأفغانستان وسوريا لم تحقق الأهداف المنشودة، وأن تداعيات التدخلات تتجاوز حدود الدول المستهدفة لتطال المنطقة والعالم.
وقال إن الأزمات في الشرق الأوسط مترابطة بفعل العوامل الجغرافية والدينية والاقتصادية والقبلية، وإن أي تحرك في أحد الملفات قد ينعكس على ملفات أخرى، بما في ذلك النزوح واللجوء والهجرة، الأمر الذي يجعل فرض الحلول بالقوة مقاربة غير كافية لمعالجة الصراعات.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تملك خطة جاهزة لمعالجة جميع أزمات المنطقة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تقييم التجارب السابقة والاعتماد على الحوار والصبر، بدلا من الاعتقاد بإمكانية حل نزاعات متجذرة خلال سنوات قليلة.
وفي ما يتعلق بالحرب على إيران، أكد باراك أهمية التوصل إلى تسوية دبلوماسية، مشيرا إلى أن انعدام الثقة بين واشنطن وطهران لا يزال يعرقل المفاوضات، رغم جهود الوساطة التي تبذلها قطر وسلطنة عُمان وباكستان ودول أخرى.
وقال إن أي تقدم ينبغي أن يبدأ بوقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغط عن الشعب الإيراني، محذرا من أن استمرار الحرب قد ينعكس على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
وتأتي تصريحات باراك في وقت تتزايد فيه النقاشات بشأن مستقبل التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط، وحدود الالتزامات العسكرية الأمريكية، ومدى استعداد واشنطن لمواصلة دورها التقليدي في حماية حلفائها، في مقابل مطالبتهم بتعزيز قدراتهم الدفاعية وتحمّل مسؤولية أكبر عن أمن المنطقة.







