الروبل عند أعلى مستوياته في 5 سنوات أمام اليورو، فهل سيستمر في الصعود؟



حققت عملة الروبل الروسية ارتفاعات كبيرة خلال الأسابيع الماضية، وقد أغلقت العملة تعاملات يوم الجمعه الماضية عند أعلي مستوياتها في خمس سنوات أمام اليورو مرتفعة بنحو 9% كما ارتفعت أمام الدولار الأمريكي بنحو 2.8%، وذلك مع تزايد عدد الشركات الأوروبية التي تمتثل لمطالب الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” فيما يتعلق بالدفع بالروبل مقابل شراء الغاز الطبيعي، وتعتبر عملة الروبل هي العملة الأفضل أداء على مستوى العالم خلال 2022 حتي الآن.

هناك العديد من العوامل سواء الداخلية أو الخارجية التي دعمت العملة الروسية وجعلتها أقوي بنسبة 20% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب الأوكرانية، ومع ذلك، فإن جميع العقوبات التي فُرضت في بداية الحرب لا تزال سارية وقد أصبحت أشد قسوة، ولكن كيف تمكنت روسيا من إنعاش عملتها؟ فيما يلي بعض التفسيرات.

العوامل الداخلية

على عكس الدول الأخرى التي اضطرت للدفاع عن عملاتها، فإن البنك المركزي الروسي ليس في وضع يسمح له بالتدخل في سوق تداول العملات الأجنبية لأن جزءًا كبيرًا من احتياطياته تم حظره منذ فرض العقوبات. 

صحيح أنه في 24 فبراير اليوم الذي بدأ فيه الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا، تدخل بنك روسيا للمرة الأولى منذ سنوات كجزء من سلسلة من الإجراءات لتحقيق الاستقرار في النظام المالي الروسي، وقال محافظ البنك “إلفيرا نابيولينا” إن البنك المركزي أنفق مليار دولار في ذلك اليوم ومبلغ أقل في اليوم التالي في محاولة لدعم الروبل، لكن منذ ذلك الحين، كان على الحكومة الروسية والبنك المركزي تنفيذ تدابير أخرى للدفاع عن عملتهما.

في 28 فبراير قام البنك المركزي الروسي برفع سعر الفائدة من 10% إلى 20% وهو ما كان حافزًا قويًا للروس للاحتفاظ بعملتهم المحلية.

كان الإجراء القوي الآخر الذي قدمته الحكومة هو أمر الشركات الروسية بتحويل ما لا يقل عن 80 % من أرباحها الأجنبية إلى روبل، وهو ما قد يعني أن شركة انتاج الصلب في روسيا التي تحقق مكاسب 100 مليون يورو من جراء بيعها للصلب في ألمانيا سيجب عليها تحويل 80 مليون يورو من تلك المكاسب إلى روبل.

كما أصدرت السلطات بيانًا بمنع الوسطاء الروس من بيع الأوراق المالية التي يتملكها أجانب، حيث يتملك الكثير من المستثمرين الأجانب أسهم في شركات وسندات حكومية روسية وقد يريدون بيع ممتلكاتهم بعد إعلان الغزو الروسي والعقوبات، من خلال حظر مثل هذه المبيعات عززت الحكومة أسواق الأسهم والسندات مع الاحتفاظ بالأصول في روسيا، مما ساعد في وقف تراجع الروبل.

ليس هذا فحسب، بل إن الحكومة الروسية استهدفت المواطنين أنفسهم، حيث منعهم الكرملين من اخراج أموالهم إلى الخارج، ونص الحظر الأولي على تعليق جميع القروض وتحويلات العملة، ولكن تم تقليص هذه القيود إلى حد ما مؤخرًا، حيث أصبحت التحويلات تقتصر على 10000 دولار شهريًا حتى نهاية هذا العام.

مرت حركة قوية أخرى دون أن يلاحظها أحد نسبيًا في وسائل الإعلام الغربية من قبل السلطات في روسيا، حيث استأنف بنك روسيا شراء الذهب بسعر ثابت قدره 5000 روبل للجرام بين 28 مارس و 30 يونيو، تسمح هذه العملية للبنك المركزي ربط الروبل بالذهب كما أنها أيضًا حددت سعر أدنى للروبل بالدولار (حيث يتم تداول الذهب بالدولار الأمريكي)، يقدر السعر الأساسي بحوالي 80 روبل للدولار (5000 روبل مقسومة على 62 دولار للجرام من الذهب). 

تثير هذه العملية إمكانية العودة إلى معيار الذهب لأول مرة منذ أكثر من قرن، علاوة على ذلك، مع الارتباط الجديد بين الذهب والروبل، يمكن أن يترجم ارتفاع آخر في الروبل إلى ارتفاع في سعر الذهب، الجدير بالذكر أنه منذ ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014 كانت روسيا هي الدولة التي اشترت معظم الذهب، لديها الآن خامس أكبر مخزون في العالم.

العوامل الخارجية

من أسباب ارتفاع قيمة الروبل نقاط ضعف العقوبات التي تم فرضها من قبل الدول الغربية، حيث كانت العقوبات تهدف في الأصل إلى شل مقدرة روسيا للحصول على العملات الأجنبية، وبرغم ذلك نجد أن الكثير من دول أوروبا تستمر في شراء الغاز من روسيا نظرًا لأنها تعتمد عليها بشكل كلي تقريبًا، ولعدم وجود بدائل لتوريد الغاز بشكل كافي.

في الواقع، أحد الدوافع الرئيسية لارتفاع قيمة الروبل هو استراتيجية فلاديمير بوتين التي تتطلب من بعض الدول غير صديقة كما وصفها بوتين دفع فواتير الغاز بالروبل، وتعتبر دول الاتحاد الأوروبي من أكثر الدول التي تستورد الغاز الطبيعي من روسيا كما أن لديها احتياطيات قليلة، مما قد يؤدي إلى إجبار هذه الدول على الدفع بالعملة الروسية وشراء الروبل بكميات كبيرة (تشير التقديرات إلى أن مشتريات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي الروسي تبلغ حوالي مليار دولار يوميًا)، قد ينفجر الطلب على شراء الروبل مما يؤدي إلى ارتفاع سعره، إن مثل هذه التوقعات هي التي ساهمت في ارتفاع قيمته.

العيب الثاني في العقوبات هو استبعاد الديون السيادية، من العقوبات الأكثر ضررًا بروسيا هي تجميد حساباتها الخارجية، حيث تحتفظ روسيا بنحو 640 مليار دولار من عملات أجنبية مختلفة التي تشمل الدولار والين الياباني واليورو وعملات أخري في بنوك عالمية، منعت العقوبات من اقتراب روسيا من هذه الأصول، إلا ما يتعلق بدفع الفائدة على الديون السيادية، وبالتالي تم ترك ثغرة  للوسطاء الماليين لمعالجة المدفوعات لروسيا.

قد تُغلق هذه الثغرة قريبًا لكنها كانت بمثابة دعم قوي لروسيا، فبدونها كان من الممكن أن تضطر روسيا إلى تجميع الدولار من خلال عمليات بيع واسعة للروبل، الأمر الذي كان سيضع ضغطًا هبوطيًا على العملة.

عامل آخر ساهم في تعزيز الروبل هو الزيادة في أسعار النفط والغاز الطبيعي، تستفيد الدول المصدرة للسلع الأساسية من ارتفاع الأسعار، هذا هو الحال بالنسبة لروسيا أحد أكبر مصدري السلع في العالم، والتي كما أوضحنا للتو أنها تواصل التصدير على الرغم من العقوبات، بالإضافة إلى صادرات الطاقة إلى أوروبا، حافظت روسيا على علاقات تجارية قوية للغاية مع الاقتصادات الكبرى الأخرى مثل الصين والهند، والنتيجة الصافية هي تدفق مستمر للعملة الأجنبية إلى روسيا وانفجار في الفائض التجاري لروسيا، وقد سجلت روسيا أعلى فائض في الحساب الجاري منذ عام 1994 على الأقل

هل انتعاش الروبل حقيقي كما يبدو؟

بالنسبة للعديد من المحللين، فعلت الحكومة الروسية أكثر بكثير للدفاع عن عملتها، فهي تتلاعب بسوق الروبل وتخلق طلبًا لم يكون موجودًا لولا ذلك.

يلقي بعض المراقبين باللوم على البنك المركزي الروسي لاستخدامه مجموعة متنوعة من الأدوات التي تجعل من عملة الروبل كأنها عملة ذات قيمة، على الرغم من أن الروبل من العملات التي لديها اقبال ضعيف جدًا من المستثمرين، كما هو الحال، لم يعد التجار يرون الروبل كعملة تجارة حرة، إن الضوابط المفروضة على رأس المال نتيجة للعقوبات الغربية تعني أن سعر الصرف يُدار بشكل فعال.

حتى أن العديد من مكاتب الصرافة توقفت عن تداول الروبل لأنها تعتقد أن القيمة على الشاشات ليست السعر الذي يمكن تداوله به في العالم الحقيقي.

اصطف الروس في البداية عند أجهزة الصراف الآلي في جميع أنحاء البلاد لسحب العملات الأجنبية، لكن الذعر خمد منذ استقرار الروبل، يقول المحللون الاستراتيجيون إن ارتفاع الروبل ليس شرعيًا وأن العملة ستتداول عند مستوى مختلف تمامًا إذا تم إزالة تلك الحواجز الاصطناعية التي صنعتها السلطات الروسية.

ما هي الآفاق طويلة المدى للروبل؟

التدخلات الحكومية الموصوفة أعلاه تنطوي على مخاطر كبيرة، إذا نجحت روسيا في إيجاد حل للمشكلة الأوكرانية مع سحب العقوبات وعودة العلاقات التجارية مع دول الغرب، فمن المحتمل أن تتمسك عملة الروبل بالقيمة الحالية، لكن إذا تم سحب التدخلات الحكومية دون حل لأزمة أوكرانيا فقد يسقط الروبل، مما يؤدي إلى انفجار التضخم المحلي والركود الاقتصادي العميق في روسيا.

في الواقع، سيتعين سحب بعض التدابير بما في ذلك التدابير المحلية على المدى المتوسط، على سبيل المثال: لن يتمكن المقترضين في روسيا من دفع أسعار فائدة مرتفعة للغاية لفترة طويلة، وبالفعل تم تخفيض أسعار الفائدة من 20% إلى 14%، لكن المستوى المطلق لا يزال مرتفعًا نسبيًا ويهدد بخنق الصناعة والنمو.

من ناحية أخرى، يخفي فائض الحساب الجاري الآثار طويلة المدى للعقوبات، والتي سيكون لها حتما تأثير سلبي قوي على الاقتصاد وبالتالي على الروبل.

لكن من المؤكد أن أكبر تهديد للروبل هو العامل الذي يسمح له بأن يكون قوياً للغاية في الوقت الحالي، وهو استراتيجية بوتين بشأن صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا، فمن المرجح أن يتم اعادة التفاوض على عقود الغاز في نهاية المطاف.

مقالات ذات صلة